من منا لم يحب ؟ من منا لم تمسه النعمة الإلهية – ولو مرة واحدة على الأقل – فى حياته لمجرد أنه أحب ؟، من منا لا يتذكر تلك اللحظات السعيدة فى حياته حينما يشعر بأنه يحيا من أجل شخص ما ؟ ، من منا لا يعرف تلك الحياة العميقة المليئة بالخصب التى كنا نحيا فيها لنحب ونحب لنحيا ؟ ، من منا لم يشعر يوماً أن لحظات الحب القصيرة المختلسة من عمر الزمن هى وحدها التى استطاعت أن تخلع على حياته الوهمية الخادعة كل ما تنطوى عليه من حقيقة ومعنى وقيمة وحيوية ؟ ، من منا لا يعود بذاكرته فى سعادة على تلك الواحات الضائعة من الطهارة والنضارة والسحر والشعر، لكى يستمتع بعذوبة تلك الذكريات الجميلة التائهة فى بيداء الروتين اليومى الفظيع، وكأنما هى جنات من السحر والبراءة والصفاء فى وسط صحراء الكذب والتصنع والرياء ؟ ، من منا لم تتفتح عيناه يوماً لتريا أن الحب هو الحياة ؟. إن الحب أشبه ما يكون بالنور؛ جميعنا يعرفه، ولكن أحداً منا لا يستطيع أن يقطع على وجه التحديد بالعناصر المكونة والحب هو السر الأعظم فى وجود كل الموجودات، والحب كما يقول الشاعر الإيطالى العظيم "دانتى" قوة كونية كبرى لأنه هو الذى يحرك الشمس وباقى الأجرام السماوية. الحب هو مركز الحياة، ومنبع المعنى والسعادة، وهو الجواب الوحيد على إشكالية الوجود. والحب هو المبدأ والمنتهى فى قصة الحياة، وهو القيمة الوحيدة التى تخلع على كل القيم كل ما لها من قيمة !!. الحب هو سر الوجود، حتى أننا يمكن أن نقول أن تاريخ البشرية باسرها يمكن ان يكتب بلغة الحب. فكل الديانات السماوية جاءت لتنادى بالحب والسلام، وليس هناك فيلسوفاً أو أديباً أو صوفياً لم يغن للحب ويكتب له وعنه وبه، وليس هناك شاعر إلا وصنع من الحب أجمل لوحات شعره الخالدة. وما أكثر المحبين فى تاريخ البشرية، والذين وعتهم ذاكرة التاريخ: أنطونيو وكليوباترا، عطيل وديدمونة، إيزيس وأوزوريس، روميو وجولييت، قيس وليلى، كُثِّير وعزة، عنترة وعبلة، جميل وبثينة، حسن ونعيمة، وغيرهم كثيرون وكثيرون ممن عبروا جسور المحبة دون أن يتركوا وراءهم بطاقة تحمل توقيعهم. ولكن رغم كل هذا، وكل هؤلاء، فما من أحد استطاع ان يدلنا على ذلك السر الغامض الذى يجعل من الحب قوة خفية قادرة على صنع المعجزات وتغيير وجه التاريخ، حتى أن ابن حزم الأندلسى عندما أراد تعريف الحب لم يملك إلا أن يقول: (دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك إلا بالمعاناة) !!. نعم فإنه لا يدرك سر الحب إلا من عاش للحب، واختلط بدقات قلبه وخالط أنفاسه ودموعه ودماءه، لا يعرف معنى الحب إلا من ذاق الحب. والحب كما يقول "بلزاك" مفتاح كل ما هو عظيم فى الحياة الإنسانية، وسر أسرار الوجود، الذى سيظل مغلقاً أمام أعداء المحبة ولا تتفتح كنوزه إلا لمن أحب، أو كما يقول الصوفية: (من ذاق عَلِم). وربما كان أعجب ما فى الحب – كما يقول الدكتور زكريا إبراهيم فى كتابه (مشكلة الحب) – أنه جماع ما فى الوجود من متناقضات؛ فالمحبون يميلون إلى العزلة، وينصرفون عن الناس وينأون عن العالم، ومع ذلك فإن الحب وحده هو الذى يسمح لنا أن نفهم العالم وندرك الطبيعة ونحب سائر البشر، وربما كان التناقض الأكبر الذى يقع المحبون فريسة له هو تناقض اليأس والأمل أو الموت والحياة أو الألم والسرور، فالمحبون من جهة يشعرون أن اليأس حليف الحب، وأن كل حب عظيم وثيق الصلة بالموت والفناء، ومع ذلك فإننا نلاحظ من جهة أخرى أن المحبين يقرنون حبهم بالأمل ويحيون من أجل المستقبل، ويربطون سعادتهم بسعادة الآخر أو الحبيب. ولعل من أجمل ما كُتب عن الحب ما ذكره الشاعر والصوفى الكبير جلال الدين الرومى حيث يقول: سأقول لك كيف خُلق الإنسان من طين، ذلك ان الله – جل جلاله – نفخ فى الطين أنفاس الحب. سأقول لك لماذا تمضى نجوم السماء فى حركتها الدائرية، ذلك أن عرش الله – سبحانه – يملؤها بانعكاسات الحب. سأقول لك لماذا تهب رياح الصباح، ذلك لأنها تريد دائماً أن تعبث بالأوراق النائمة على شجيرات الحب. سأقول لك لماذا يتشح الليل بغلائله، ذلك أنه يدعو الناس إلى الصلاة فى محراب الحب. إننى لأستطيع أن أفسر لك كل ألغاز الخليقة، فما الحل لكل الألغاز سوى الحب lahcen botaghrassa |
الأربعاء، 13 أبريل 2011
من منا لم يحب ؟
الأحد، 10 أبريل 2011
أجراس إنذار.. كاذبة؟
أجراس إنذار.. كاذبة؟
تفزعني، علي المستوي الانفعالي، الأحداث الأليمة التي تقع من آن لآخر كحوادث الاغتصاب والقتل والمرور والحرائق وانهيار الصخور والعمارت.. إلخ، ولكن يذهلني علي المستوي العقلي رد الفعل الاجتماعي لهذه الأحداث، فهي دائماً مدوية مثل جرس إنذار يصم رنينه الآذان، ولكن في كل مرة يسارع أولئك الذين في مواقع المسؤولية إلي إيقاف عمل الجرس، ويؤكدون أن الإنذار كاذب، وأن هناك خللاً في جهاز الإنذار ليس إلا... ولا موجب للفزع فكل شيء علي ما يرام.
إن الفرق بيننا وبين أقوام غيرنا متقدمين أنهم يعاملون أي إنذار كاذب علي أنه حقيقي، ويهرعون فوراً لاتخاذ مختلف إجراءات واحتياطات الوقاية والحماية، أما نحن فإننا نعامل كل إنذار حقيقي علي أنه كاذب، وهم لديهم شجاعة الاعتراف بأن ثمة خطأ ما وأن خطراً يهددهم، أما نحن فلدينا قدرة فائقة علي دفن رؤوسنا في الرمال وتجاهل الأخطار.
إنني أري جرس الإنذار الأخير - الذي دق مع حادث التحرش الجنسي الجماعي، وهتك عرض عدد من الفتيات، والذي وقع في الجامغة المغربية - كان واحداً من أجراس الإنذار بالزلازل الاجتماعية الخطيرة التي تهدد بنياننا الاجتماعي بأسره.
لقد سبق ذلك الجرس أجراس كثيرة تجاهلناها أو أوقفنا رنينها، فليست هذه أول حادثة هتك عرض وتحرش جنسي جماعي فقد حدث نفس الشيء تقريباً وسط مدن االمغرب، وهي ليست حالة فردية بل ظاهرة عامة متفشية.
والأجراس تدق كل يوم في آلاف البيوت في المغرب وحدها، فما من بيت به امرأة تستخدم وسائل النقل العام شديدة الزحام والفوضي أو تسير في شوارعها، إلا ودق فيه جرس انتهاك عرض أو تحرش جنسي أو علي الأقل خدش حياء، أما حوادث الخطف والاغتصاب فأجراس إنذارها مسجلة علي صفحات الجرائد طوال السنوات الماضية، ناهيك عن تلك الأجراس التي انطلقت بفعل حوادث السرقة بالعنف المسلح في وضح النهار وفي المواصلات والأماكن العامة وحوادث التطرف والعنف والرشوة والفساد والمخدرات والنصب وتوظيف الأموال والغش التجاري حتي في الأغذية والأدوية، وتدمير الثروة المائية والزراعية والحيوانية وإفساد الأخلاق ..
والأجراس تدق كل يوم في آلاف البيوت في المغرب وحدها، فما من بيت به امرأة تستخدم وسائل النقل العام شديدة الزحام والفوضي أو تسير في شوارعها، إلا ودق فيه جرس انتهاك عرض أو تحرش جنسي أو علي الأقل خدش حياء، أما حوادث الخطف والاغتصاب فأجراس إنذارها مسجلة علي صفحات الجرائد طوال السنوات الماضية، ناهيك عن تلك الأجراس التي انطلقت بفعل حوادث السرقة بالعنف المسلح في وضح النهار وفي المواصلات والأماكن العامة وحوادث التطرف والعنف والرشوة والفساد والمخدرات والنصب وتوظيف الأموال والغش التجاري حتي في الأغذية والأدوية، وتدمير الثروة المائية والزراعية والحيوانية وإفساد الأخلاق ..
ألم تدق خلال السنوات الأخيرة أجراس كثيرة عند اشتعال الحرائق وعند غرق العبارات وتصادم القطارا.. إلخ؟
أقول إن هذه الأجراس رنينها لا ينقطع، وكلها أجراس إنذار وتحذير اعتدنا عليها، وفي كل مرة يقال إنها كاذبة وحالات فردية، وفاتنا أن ندرك مغزاها الحقيقي: الزلزال قادم.. انتبهوا أيها الناس واتخذوا حيطتكم!
أقول إن هذه الأجراس رنينها لا ينقطع، وكلها أجراس إنذار وتحذير اعتدنا عليها، وفي كل مرة يقال إنها كاذبة وحالات فردية، وفاتنا أن ندرك مغزاها الحقيقي: الزلزال قادم.. انتبهوا أيها الناس واتخذوا حيطتكم!
إننا لا يمكن أن نحمل فرداً ما، ولو كان وزيراً، أو مؤسسة ما ولو كانت وزارة، مسؤولية سياسات وظروف تاريخية محلية وإقليمية وعالمية أدت إلي ما نحن فيه الآن من اضطراب ومشكلات ومعاناة زلزلت الأرض الاجتماعية من تحت أقدامنا، ولكننا بالمقابل لابد أن نتحمل جميعاً مسؤولية تدعيم البناء الاجتماعي بأسرع ما يمكن وحشد كل الطاقات في حملة قومية كبري لحماية أنفسنا من الانهيار والفناء بفعل الزلزال الذي تتوالي الإنذارات المدوية بقرب حدوثه.
وبنياننا الاجتماعي له أساسات أصابها بالفعل التآكل والخلل تتمثل في الأساس الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي والقانوني، بل حتي الأسري.. ونحن في أشد الحاجة إلي جهود مهندسينا الاجتماعيين والسياسيين لوضع مشروع تدعيم أساسات بنياننا الاجتماعي، أو حتي إعادة بنائها.
وبنياننا الاجتماعي له أساسات أصابها بالفعل التآكل والخلل تتمثل في الأساس الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي والقانوني، بل حتي الأسري.. ونحن في أشد الحاجة إلي جهود مهندسينا الاجتماعيين والسياسيين لوضع مشروع تدعيم أساسات بنياننا الاجتماعي، أو حتي إعادة بنائها.
هتلر
قصة عشق هتلر للمطالعة والتاريخ
في البداية يبدو الأمر غريب بعض الشئ كيف لا و الحديث على هتلر لا يكاد يخرج من ساحة الحرب العامية الثانية و محرقة اليهود و إيمانه بفلسفة القوة و لكن بعد مطالعتي لكتاب كفاحي لهتلر وجدت فيه بعض الفوائد التي يمكن أن نستفيد منها لأقل في مرحلة ما من التاريخ دون الحديث عن جوانب أخلاقية أو أحكام قيمية، فنأخذ ما هو ايجابي . يقول هتلر إن القلة من الأساتذة تفهم أن الهدف من دراسة التاريخ ليس حفظ أرقام وتواريخ مثل يوم ومعركة أو ساعة ميلاد زعيم ......فمعرفة التاريخ تعني معرفة القوى التي تسبب النتائج المسماة أحداثا تاريخية. والمعرفة هي : القدرة على تذكر الأساسي ونسيان كل ما هو غير ضروري وقد يكون احد أهم أسباب تشكيل شخصيتي الحالية دراستي للتاريخ مع احد القلة الذين عرفوا هذه القواعد وراعوها في التدريس، الأستاذ ليوبل بوتش . فقد كان ذلك الرجل العجوز خيرا متقننا لمادته ...... . هذا المدرس جعلني عاشقاً للتاريخ. وهكذا بت ثورياً بدون أن يسعى هو لذلك. أما عن المطالعة يقول هتلر: ما اعنيه بالقراءة يختلف عما يقوله دعاة الثقافة في عصرنا الحالي فقد عرفت رجالاً قرؤوا كثيراً ولكنهم ما كانوا مثقفين نعم، هم عرفوا الكثير من المعلومات ولكنهم استطاعوا تسجيلها وتنظيمها وهكذا افتقدوا فن تمحيص القيم من الغث والتحرر مما كان بلا فائدة، والاحتفاظ بالمفيد معهم طوال العمر، فالقراءة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الغايات وظيفتها الأساسية ملأ الفراغ المحيط بالمواهب والقدرات الطبيعية للأفراد، المفروض هو آن تقدم للفرد المعدات التي يحتاجها لعمله الحياتي بغض النظر عن طبيعة هذا العمل كذلك، يجدر بالقراءة أن تقدم رؤية معينة للوجود وفي كلا الحالين، الضروري هو ألا تتحول محتويات الكتاب إلى الذاكرة بجوار كتب لاحقة ، بل أن توضع المعلومة المفيدة بجوار غيرها لتوضيح الرؤية الأساسية في فكر القارئ. و وان لم يحدث هذا ستتجمع المعلومات بشكل فوضوي في الذهن، بلا قيمة سوى خلق الكبرياء. فالقاري من هذا النوع سيتصور انه قد عرف المزيد ، وان كان في الواقع يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع حتى ينتهي المطاف به في مستشفى المجانين أو مجلس الشعب، وهو ما يحدث كثيرا. وهو لن يستطيع يستطيع اذاً الاستفادة مما قراه أما القارئ الناجح ، فيستطيع بسرعة إدراك ما سيستفيد منه وترك الباقي . وهذه هي القراءة المفيدة. ومنذ صباي حاولت القراءة بهذا الأسلوب.. lahcen botaghrassa |
السبت، 9 أبريل 2011
ثقافة الاستهانة
ثقافة الاستهانة
لابد أن يقودنا التحليل العلمي الاجتماعي لكل الظروف التي احاطت بجميع الكوارث التي عانينا ومازلنا نعاني منها ..لابد أن يقودنا هذا التحليل إلي الكشف عن العامل المشترك الأعظم بينها جميعا.
هذا العامل هو ما أسميته ثقافة الاستهانة بكل ما تحتوي عليه من قيم وعادات وسلوكيات. فنحن نستهين أو لا نحرص علي كل عناصر مقومات مجتمعنا: الانسان ومصادر الثروة.
يلي ذلك سيادة قيم الاستهانة بالموارد المادية والثروة القومية والممتلكات العامة. فهناك استهانةبأهم مصدر للحياة في المغرب وهو البحر ...
وشهدت الأراضي الزراعية استهانة خطيرة بها حيث تم تجريفها والبناء عليها. وهناك استهانة بمختلف مصادرنا الطبيعية كالمعادن والاحجار بل وحتي الصحراء والرمال.
أما اثار المغرب العظيمة التي لو حرصنا عليها واستثمرنا وجودها علي أرض المغرب وفي باطنها وإعجاب العالم بها وبتاريخنا المجيد لدرت علي المغرب الخير الكثير فحدث عن قيم الاستهانة بها ولا حرج. يضاف إلي ذلك قيم الاستهانة بالنظافة والجمال والذوق والفن التي نلحظها في كل الاماكن العامة.
نحن إذا بصدد منظومة عامة من القيم الاجتماعية ذات الطابع السلبي التي توجه سلوكيات المواطنين علي اختلاف مواقعهم الطبقية.. وهذه القيم مهدرة للثروة القومية ومهددة لحياة البشر وسلامتهم وفوق ذلك كله معوقة للتنمية أو للتطور الاجتماعي بصفة عامة. إن سيادة هذه القيم في مجتمعنا تمثل في رأيي أم الكوارث جميعا.. ما العمل؟
إن المجتمع المغربي لا يعدم الان، ولم يعدم ابدا قيما ايجابية بناءة محفزة علي التقدم والتطور والارتقاء ونستطيع أن نجد تجسيدا لها في سلوكيات افراد وجماعات في مختلف قطاعات الحياة في المغرب ولكنها ليست القيم السائدة وعلي هذا تصبح المهمة واضحة: تشجيع ودعم هذه القيم ونشرها علي أوسع نطاق بين مختلف قطاعات المجتمع وبجميع الوسائل المختلفة.. وبناء عليه فلابد من ان تتولي هيئات أو مؤسسات أو تنظيمات أهلية وحكومية مهمة بلورة منظومة قيمية ايجابية بناءة وتحديد اساليب نشرها ودعمها وكذلك الدعوة الي احداث التغيرات البنيوية 'الاقتصادية والسياسية والتشريعية والتربوية... الخ' المرغوبة.
إلا أن ذلك لابد ان يكون بناء علي تصور واضح ومحدد للمجتمع المأمول. ومع تسليمنا باختلاف الرؤي لهذا المجتمع المأمول نظرا لاختلاف مصالح القوي الاجتماعية الاقتصادية والسياسية التي يتكون منها المجتمع المغربي فانه من الممكن أن يكون هناك حد ادني من الاتفاق حول أهم ملامح الصورة المأمولة. بحيث تمثل هذه الصورة المتفق عليها ما يمكن تسميته بالمشروع القومي أو الحلم المغربي..
إن وضع استراتيجية بعيدة المدي لتحقيق هذا الحلم بما تشتمل عليه من سياسات وخطط تنفيذية يتم نشرها علي أوسع نطاق علي مختلف قطاعات المجتمع المغربي أصبح ضرورة ملحة عاجلة وتعتبر هذه الخطوة الأساس الأولي لتعديل منظومة القيم الاجتماعية أو صياغة منظومة جديدة ونشرها ودعمها.
وغني عن القول أن طرح المشروع النهضوي أو الحلم المغربي علي القوي الاجتماعية والسياسية يقتضي توفير أكبر قسط ممكن من المناخ الديمقراطي الحقيقي الذي يضمن التمثيل الفعلي لمختلف القوي الاجتماعية والاتجاهات السياسية والفكرية...
الجمعة، 8 أبريل 2011
شجرة الدر.. الجارية التي حكمت مصر
شجرة الدر.. الجارية التي حكمت مصر
حاربت الصليبيين ودحرت جيش لويس التاسع عشر الذي كان يعتزم غزو أرض الكنانة

في الطريق إلى القمة، وتحت وطأة الرغبة المُميتة في الصعود السريع، ننسى -أو نتناسى- حقيقةً مهمة وهي أن لكل شيء في الحياة كُلفة أو ضريبة لا بد أن ندفعها..
تلك الضريبة التي قد تُودي بحياتنا كلما حاولنا الوصول إلى السلطة، فضريبة السلطة قد تكون حياتَنا التي قد نفقدها فجأة ودون سابق إنذار.. تلك السلطة التي قد تتراءى للكثيرين حلاوتُها.. نساء وُلدن في أوساط فقيرة وذُقن شظف العيش ومرارات الحاجة.. اجتاحتْهُنّ رغبة كبيرة ومميتة في الانخراط -بأي ثمن- في كواليس الحُكم ودهاليز السلطة، أملا في قفزة كبرى في ما بعدُ قد تُوصلهُنّ إلى القمة، من خلال ارتباط بحاكم أو الفوز بمنصب سياسيّ كبير.. ملكاتٍ كنّ أو أميرات أو فنانات أو عشيقات أو نساءً عادياتٍ قرّرن «القفز» على العادات والتقاليد والمُضيَّ في الحياة كما تحلو لهن.. نساء ونساء تكبّدن «ضريبة» البحث عن السلطة والاقتراب منها أو التعرُّض لها.. إنهنّ نساء قتلتْهُنَّ السلطة!...
قد تبتسم الدنيا، أحيانا، لرجل أو امرأة فتنتقل أو ينتقل من حال إلى حال آخر.. فتتسع ابتسامتها أكثر وترتفع به إلى مكان أفضل مما هو عليه، فيصل أو تصل إلى القمة في بلاده أو بلادها على نحو غير متوقع بالنظر إلى بداياته أو بداياتها المتواضعة.. فالأيام قد تكشف عن موهبة سياسية كانت خفية لديه أو لديها، فيُبْلي -أو تبلي- في الحكم بلاء حسنا فيشهد له -أو لها- بالكفاءة والحكمة والدهاء.. لكن.. قد ينسى -أو تنسى- هذه الشخصية، في لحظة ضعف، نفسَها، فتنساق وراء العواطف فتسقط من عرشها... وربما تدفع ضريبة السلطة التي تكون في الغالب حياتَها، التي تفقدها، في صورة مهينة وذليلة، وهذا ما حدث مع ملكة مصر، شجرة الدر..
هي امرأة غير عادية، بل جارية من جواري الملك الصالح، قبل أن يشتريها الملك نجم الدين، بعد سماعه عنها وعن ذكائها وحنكتها وفصاحتها.. جارية استطاعت أن تحكم بلدا مسلما وتقوده في أحلك الظروف والصعاب.. جارية مملوكة استطاعت، بحزمها ودهائها وشدة بأسها، أن تصل إلى عرش مصر، قبل أن تؤدي بها غيرتُها وحماقتها النسائية (كغيرها من نساء اليوم والأمس) إلى أن تُقتَل «شر قتلة»، بتحريض من ضرتها (الزوجة الثانية لزوجها)...
هي عصبة الدين أو «شجرة الدر»، كما لقبها الملك نجم الدين، ذات الأصول التركية، التي حظيت بمكانة عظيمة وخاصة لدى الملك نجم الدين، قبل أن يتزوجها بعد ذلك، وسيصير من حقها أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله وصاحبة الرأي، قبل أن تصبح شريكة شرعية له وأُمّا لولده خليل، وقبل أن يستقرا في «حصن كيفيا» (حصن من حصون المشارق يقع على حدود تركستان) الذي أضحى زوجها نجم الدين واليا عليه من طرف والده الملك الكامل...
قد تبتسم الدنيا، أحيانا، لرجل أو امرأة فتنتقل أو ينتقل من حال إلى حال آخر.. فتتسع ابتسامتها أكثر وترتفع به إلى مكان أفضل مما هو عليه، فيصل أو تصل إلى القمة في بلاده أو بلادها على نحو غير متوقع بالنظر إلى بداياته أو بداياتها المتواضعة.. فالأيام قد تكشف عن موهبة سياسية كانت خفية لديه أو لديها، فيُبْلي -أو تبلي- في الحكم بلاء حسنا فيشهد له -أو لها- بالكفاءة والحكمة والدهاء.. لكن.. قد ينسى -أو تنسى- هذه الشخصية، في لحظة ضعف، نفسَها، فتنساق وراء العواطف فتسقط من عرشها... وربما تدفع ضريبة السلطة التي تكون في الغالب حياتَها، التي تفقدها، في صورة مهينة وذليلة، وهذا ما حدث مع ملكة مصر، شجرة الدر..
هي امرأة غير عادية، بل جارية من جواري الملك الصالح، قبل أن يشتريها الملك نجم الدين، بعد سماعه عنها وعن ذكائها وحنكتها وفصاحتها.. جارية استطاعت أن تحكم بلدا مسلما وتقوده في أحلك الظروف والصعاب.. جارية مملوكة استطاعت، بحزمها ودهائها وشدة بأسها، أن تصل إلى عرش مصر، قبل أن تؤدي بها غيرتُها وحماقتها النسائية (كغيرها من نساء اليوم والأمس) إلى أن تُقتَل «شر قتلة»، بتحريض من ضرتها (الزوجة الثانية لزوجها)...
هي عصبة الدين أو «شجرة الدر»، كما لقبها الملك نجم الدين، ذات الأصول التركية، التي حظيت بمكانة عظيمة وخاصة لدى الملك نجم الدين، قبل أن يتزوجها بعد ذلك، وسيصير من حقها أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله وصاحبة الرأي، قبل أن تصبح شريكة شرعية له وأُمّا لولده خليل، وقبل أن يستقرا في «حصن كيفيا» (حصن من حصون المشارق يقع على حدود تركستان) الذي أضحى زوجها نجم الدين واليا عليه من طرف والده الملك الكامل...
غضبة الملك..
هناك، في «حصن كيفيا»، تعلمت شجرة الدر وزادت حنكتها ودهاؤها السياسي، فقد كانت الأمور تسير كما رسمت لها من قبل أن تنقلب عليها، رأسا على عقب، حينما وصل الأميرَ نجم الدين نبأ يفيد بنية والده الملك الكامل تعيينَ أخيه الأصغر أبي بكر (الملك العادل) وليا للعهد بدلا منه.. غضب الأمير نجم الدين من تصرف والده الملك، مبررا ذلك بأنه الأجدر والأحق بالحكم، بعد والده، نظرا إلى صغر سن أخيه وطيشه وعدم إحساسه بالمسؤولية، من جهة، ونظرا إلى الأخطار التي تحيط بالدولة من كل جانب خاصة الأعداء الصليبيين والمغول، من جهة ثانية.. فأقسم نجم الدين، حينها، بألا تكون الخلافة إلا له، دون غيره، فبدأ في التحضير للمقاومة، مؤازَراً بآراء زوجته «شجرة الدر» الحصيفة لاستعادة حقه المغتصَب...
سارع الأمير نجم الدين إلى تكوين كتيبة من الجيش وقيادتها (رفقة زوجته شجرة الدر وابنه خليل وبعض المماليك) في اتجاه القاهرة، للإطاحة بالحكَم والقضاء على خصمه والمنازع الرئيسي له على عرش مصر، شقيقه الملك العادل.. وبينما هم في طريقهم إلى القاهرة، انقض عليهم جيش الملك الناصر داوود (ابن عمه) والي إمارة الكرك والشوبك وما يليهما من أرض الأردن واقتادهم جميعا، كأسرى، في قلعة الكرك للمساومة مع الملك الكامل على حياة ابنه نجم الدين، مقابل التنازل عن العرش لصالح الملك الناصر داوود...
سارع الأمير نجم الدين إلى تكوين كتيبة من الجيش وقيادتها (رفقة زوجته شجرة الدر وابنه خليل وبعض المماليك) في اتجاه القاهرة، للإطاحة بالحكَم والقضاء على خصمه والمنازع الرئيسي له على عرش مصر، شقيقه الملك العادل.. وبينما هم في طريقهم إلى القاهرة، انقض عليهم جيش الملك الناصر داوود (ابن عمه) والي إمارة الكرك والشوبك وما يليهما من أرض الأردن واقتادهم جميعا، كأسرى، في قلعة الكرك للمساومة مع الملك الكامل على حياة ابنه نجم الدين، مقابل التنازل عن العرش لصالح الملك الناصر داوود...
عصفوران بحجر واحد..
رفض الملك الكامل العُروض التي قدمها له ابن أخيه الأمير الناصر لاسترداد حرية ابنه نجم الدين وعمد إلى المراوغة في سبيل إعداد جيش جرار للإطاحة به ومواجهته في عقر داره... وفي تلك الأثناء، كانت شجرة الدر تبث الأمل والتفاؤل في نفسية زوجها نجم الدين داخل زنزانة الأَسْر، مشيرة عليه بخطة للخروج من هذا المأزق، وهي الاتفاق مع خصمه وسجانه الملك الناصر على التعاون للإطاحة بحكم الملك العادل (شقيقه) بعد إطلاق سراحه ومهاجمته في مصر والاستيلاء على العرش الذي سيكون من نصيب نجم الدين، على أن يمنح هذا الأخير عرش مصر والخراج للملك الناصر...
سرعان ما وافق الملك الناصر على هذا العرض وسارا في اتجاه مصر للاستيلاء على عرشها الذي تحقق لهما بعد هزمهما جيش الملك العادل وأسره في قلعة صلاح الدين، لتبلغ بذلك شجر الدر مرادها وتُقاسِم زوجَها المجد والسلطة...
سرعان ما وافق الملك الناصر على هذا العرض وسارا في اتجاه مصر للاستيلاء على عرشها الذي تحقق لهما بعد هزمهما جيش الملك العادل وأسره في قلعة صلاح الدين، لتبلغ بذلك شجر الدر مرادها وتُقاسِم زوجَها المجد والسلطة...
محاربة الصليبيين وولاية الملك
مرض الملك نجم الدين (زوج شجرة الدر) بعد توليه عرشَ مصر التي أضحت عرضه للحملات الصليبية، خاصة بعد عزم الملك لويس التاسع عشر على شن حملة واسعة لاحتلال مصر، وفاء بوعده ونذره الذي قطعه على نفسه أثناء مرضه (كان لويس التاسع عشر قد نذر باحتلال مصر إذا ما تعافى من مرضه العضال) حيث قال حينها: «إذا شُفيت من مرضي هذا فإنني أعدكم بأنني سأغزو مصر وآتيكم بكنوزها وخيراتها... وهذا ما حدث فعلا... فبعد شفاء الملك لويس التاسع عشر من مرضه، أخذ يُعِدّ العُدّة ويجهز الجيوش لحملة واسعة على مصر، مبحرا من مرسيليا عام 1249، عازما على احتلال أرض الكنانة... كان الملك نجم الدين حينها يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت في المنصورة التي اتخذ منها مركزا للقيادة... لكن شجرة الدر، التي كانت تجالسه على الدوام، كانت عازمة على إلحاق الهزيمة بالصليبيين والحفاظ على عرش مصر قائلة لزوجها: «لا تخف يا زوجي العزيز ولا تحزن، إنني أقسم لك إن الصليبيين سيقتلون في حملتهم، لحظة وصولهم إلى مصر»...
كانت تلك الكلمات تخرج من بين شفتي شجرة الدر بينما جحافل الصليبيين تقترب من أبواب مصر... لكنْ، سوء القدر لم يترك مجالا للملك نجم الدين ليرى الصليبيين وهم يندحرون عن أبوابها، كما وعدته زوجته شجرة الدر.. فقد انتقل إلى الحياة الأخرى، تاركا وراءه حملا ثقيلا على شجرة الدر ومدركا في الوقت نفسه أنها ستكون على قدر المسؤولية.. هنا، ظهرت حنكة شجرة الدر سريعا، فسرعان ما أخفت خبر وفاة الملك، لخوفها من حدوث البلبلة في الدولة وبين صفوف الجيش الذي كان يستعد للحرب... وتفاديا للقلاقل التي قد يثيرها بعض الرجال المناوئين لحكم الملك نجم الدين، والذين طالما حلموا بالإطاحة به وتنحيته عن العرش...
لكنْ، ولحظةَ تلاقي الجمع وبداية الحرب التي أخذت بوصلتها تشير إلى هزيمة الصليبيين، حينها فقط، قامت شجرة الدر، وبحنكة سياسية عالية، باستدعاء ابن زوجها «تورنشا» وبعض رجال الدولة والجيش، معلنة وفاة الملك نجم الدين وطالبة في الوقت نفسه بأن يُقْسموا له بالولاء والطاعة (للابن تورنشا)... ذلك الولاء الذي لم يدم طويلا، بسبب فساده وطغيانه، ليتمَّ قتله على يد الظهير بيبرس وتتولى شجرة الدر العرش، من جديد، بموافقة وتزكية الجميع، خاصة بعد الانتصار الذي حققته على الصليبيين...
كانت تلك الكلمات تخرج من بين شفتي شجرة الدر بينما جحافل الصليبيين تقترب من أبواب مصر... لكنْ، سوء القدر لم يترك مجالا للملك نجم الدين ليرى الصليبيين وهم يندحرون عن أبوابها، كما وعدته زوجته شجرة الدر.. فقد انتقل إلى الحياة الأخرى، تاركا وراءه حملا ثقيلا على شجرة الدر ومدركا في الوقت نفسه أنها ستكون على قدر المسؤولية.. هنا، ظهرت حنكة شجرة الدر سريعا، فسرعان ما أخفت خبر وفاة الملك، لخوفها من حدوث البلبلة في الدولة وبين صفوف الجيش الذي كان يستعد للحرب... وتفاديا للقلاقل التي قد يثيرها بعض الرجال المناوئين لحكم الملك نجم الدين، والذين طالما حلموا بالإطاحة به وتنحيته عن العرش...
لكنْ، ولحظةَ تلاقي الجمع وبداية الحرب التي أخذت بوصلتها تشير إلى هزيمة الصليبيين، حينها فقط، قامت شجرة الدر، وبحنكة سياسية عالية، باستدعاء ابن زوجها «تورنشا» وبعض رجال الدولة والجيش، معلنة وفاة الملك نجم الدين وطالبة في الوقت نفسه بأن يُقْسموا له بالولاء والطاعة (للابن تورنشا)... ذلك الولاء الذي لم يدم طويلا، بسبب فساده وطغيانه، ليتمَّ قتله على يد الظهير بيبرس وتتولى شجرة الدر العرش، من جديد، بموافقة وتزكية الجميع، خاصة بعد الانتصار الذي حققته على الصليبيين...
غيرة النساء القاتلة..
بدا عهد شجرة الدر مزدهرا وزاهيا، أظهرت خلاله قدراتِها وجدارتَها بالحكم والاستئثار بالعرش، فتنعّم الفقراء بحسناتها وأمِن الناس على أنفسهم ومالهم خلال فترة حكمها.. ونبغ الأدباء والشعراء المصريون، أمثال بهاء الدين زهير وجمال الدين مطروح وفخر الدين بن الشيخ وغيرهم.. حتى لُقِّبت بأم خليل المستعصمية، نسبة إلى الخليفة العباسي المستعصم، الذي أرادت أن يعترف بها حينما كان يجلس على عرش العباسيين في بغداد، آنذاك..
كان دهاء المرأة وحدسها نادرا ما يخطئ.. فتخوفها من العباسيين، الذين لم يرق لهم أن تتولى امرأة عرش مصر، كان في محله، فعمدوا إلى إشاعة الخلافات والفوضى بين أمراء وزعماء مصر والشام ضدها، واصفين إياها بالمرأة الفاسقة والفاسدة، مطالبين إياها، في نفس الوقت، بالتنحي عن العرش.. لكن حنكة القوم ودهاءهم لم يكن بالقدر نفسه بالنسبة إلى شجرة الدر، فسارعت على الفور إلى الزواج من الأمير عزّ الدين أيبك (قائد العسكر) الذي أطلقت عليه لقبَ «الملك المعز»، لتأمَن بذلك كلام الناس واعتراض العباسيين عليها، مشترطة عليه تطليق زوجته السابقة والتخلي عن ابنه المنصور علي، خشية انتقال العرش إليه، بعد والده المعز...
مرت الأيام والشهور وأصبح زمام الأمور داخل مصر وخارجها في يد زوجها الملك المعز.. لكن خبرا وقع عليها كالصاعقة، عندما علمت أن زوجها الملك المعز ينوي خطبة ابنة الملك بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل.. كادت شجرة الدر، حينها، أن تجن وتفقد عقلها، من شدة الحقد والغيرة تجاه ذلك الرجل الذي وثقت فيه وجعلته ملكا.. وزادت حدة الصراع والمرارة حينما علمت أنه ينوي إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة في القاهرة التي تم تهييئها لاستقبال العروس الجديدة، تفاديا لوقع الصدامات بينهما.. فأحست شجرة الدر حينها بأنها اغتيلت في مشاعرها وأحاسيسها وفقدت كبرياءَها، فعقدت العزم على التخلص منه، قبل إقدامه على خطوته تلك.. دعته، ببشاشة وصدر رحب، إلى تناول العشاء معها داخل مخدعها الخاص... وحينما دخل الملك المعز إلى الحجرة، توجَّه إلى الحمام للاغتسال ليجد خمسة من الغلمان الأقوياء الذين انهالوا عليه بالضرب حتى أردَوه قتيلا لتذيع شجرة الدر في ما بعدُ خبرَ وفاة زوجها المعز وأن وفاته كانت مفاجئة (رغم عدم تصديق الناس هذا النبأ)، ليتم القبض عليها، بعد ذلك، بتهمة قتل الملك وإيداعها السجن والتخلص منها نهائيا على يد زوجة الملك المعز السابقة وابنها علي، انتقاما لأبيه، بمساعدة الجواري اللواتي واصلن ضربها بالقباقيب (أحذية ذات كعب غليظ تصدر أصواتا أثناء السير) إلى أن فارقت الحياة بطريقة ذليلة ومهينة، لتسقط من قمة الشهرة التي طالما حلمت بها...
كان دهاء المرأة وحدسها نادرا ما يخطئ.. فتخوفها من العباسيين، الذين لم يرق لهم أن تتولى امرأة عرش مصر، كان في محله، فعمدوا إلى إشاعة الخلافات والفوضى بين أمراء وزعماء مصر والشام ضدها، واصفين إياها بالمرأة الفاسقة والفاسدة، مطالبين إياها، في نفس الوقت، بالتنحي عن العرش.. لكن حنكة القوم ودهاءهم لم يكن بالقدر نفسه بالنسبة إلى شجرة الدر، فسارعت على الفور إلى الزواج من الأمير عزّ الدين أيبك (قائد العسكر) الذي أطلقت عليه لقبَ «الملك المعز»، لتأمَن بذلك كلام الناس واعتراض العباسيين عليها، مشترطة عليه تطليق زوجته السابقة والتخلي عن ابنه المنصور علي، خشية انتقال العرش إليه، بعد والده المعز...
مرت الأيام والشهور وأصبح زمام الأمور داخل مصر وخارجها في يد زوجها الملك المعز.. لكن خبرا وقع عليها كالصاعقة، عندما علمت أن زوجها الملك المعز ينوي خطبة ابنة الملك بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل.. كادت شجرة الدر، حينها، أن تجن وتفقد عقلها، من شدة الحقد والغيرة تجاه ذلك الرجل الذي وثقت فيه وجعلته ملكا.. وزادت حدة الصراع والمرارة حينما علمت أنه ينوي إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة في القاهرة التي تم تهييئها لاستقبال العروس الجديدة، تفاديا لوقع الصدامات بينهما.. فأحست شجرة الدر حينها بأنها اغتيلت في مشاعرها وأحاسيسها وفقدت كبرياءَها، فعقدت العزم على التخلص منه، قبل إقدامه على خطوته تلك.. دعته، ببشاشة وصدر رحب، إلى تناول العشاء معها داخل مخدعها الخاص... وحينما دخل الملك المعز إلى الحجرة، توجَّه إلى الحمام للاغتسال ليجد خمسة من الغلمان الأقوياء الذين انهالوا عليه بالضرب حتى أردَوه قتيلا لتذيع شجرة الدر في ما بعدُ خبرَ وفاة زوجها المعز وأن وفاته كانت مفاجئة (رغم عدم تصديق الناس هذا النبأ)، ليتم القبض عليها، بعد ذلك، بتهمة قتل الملك وإيداعها السجن والتخلص منها نهائيا على يد زوجة الملك المعز السابقة وابنها علي، انتقاما لأبيه، بمساعدة الجواري اللواتي واصلن ضربها بالقباقيب (أحذية ذات كعب غليظ تصدر أصواتا أثناء السير) إلى أن فارقت الحياة بطريقة ذليلة ومهينة، لتسقط من قمة الشهرة التي طالما حلمت بها...
الأربعاء، 6 أبريل 2011
وظيفة العقل ....
وظيفة العقل :
التراث العلمي والفكري والتجارب العامة والخاصة والمحاولات والأخطاء والنجاحات والفشل وكل المكتسبات المعرفية والعلوم بكافتها ، هي المواد التي تكون خبرات الإنسان فتزيد من عقله ، وكل ما تعددت هذ المواد وتنوعت واتسعت المحصلة العقلية كلما زادت قدراته وترقت سلما أعلى في فهم واستيعاب العالم ، باعتبار أن وظيفة العقل الإجرائية هي الاستفادة من المعطيات المعلوماتية المتوفرة لديه بعد الاشتغال على تنظيمها ……
ماهو المنهج العقلي في فهم الأشياء وتقييمها والحكم عليها ؟ :
يعمل العقل بطريقة عفوية أو شبه آلية على المقابلة بين المعلومات للتمييز بينها ـ ويستخدم طريقة التنسيب ـ أي : أن هذا طويل بالنسبة لهذا ، وهذا أكبر بالنسبة لهذا ، ويستخدم نماذج مخزنة يقيس عليها المثل والأخلاق والشجاعة وما شابه ، ومنها ينطلق أيضا في أحكامه بأن هذا أكثر جرأة وهذا أقل أدبا وهذا شجاع وهذا أجدر وهذا أقل شأنا ـ ويكتشف من خلال المقابلة بين المعلومات ، المشترك والمختلف ، والفروق ، ويتقصى الأسباب ويبحث عن التعليلات ويكتشف أسس التقييم ـ ومن هذه المقابلات بين الأضداد واكتشاف الفروق والتمييز ـ تتكون لديه ملكة الفهم والتحليل والحكم ، ويصبح لديه إسهامات فكرية وتوقعات وتخمينات وظنون ،وهكذا يكون له أدوات قياسية ويبني عليها موقف ورأي ، فهو إما يستنكر أو يوافق أو يرفض أو يعرض أو يقبل ويستطيع أن يدلل على الأشياء ويقترح و يتخذ حلولا معينة ….

هل يخطيء العقل ؟!
من مهمات العقل موازنة وتقدير الأمور إذا توفرت لديه معطيات معينة ، ، فعندما تعرض للإنسان مشكلة ما تعوقه عن الوصول إلى هدف ما ، فإنه يبحث في علومه وخبراته وتجاربه المكتنزة في ذاكرته ثم يقلب الأمور وينظر فيها ويوازن ويقدر المشكلة ـ وهذه هي مهمة العقل ـ ثم يختار الطريقة الأفضل ـ بحسب مايرى ـ لرفع أو إزاحة المشكلة التي تعوقه عن بلوغ هدفه … ،وهذه هي صلب مسؤولية العقل ، أما ما يحدث من اختلاف بين إنسان وآخر في معالجة قضية واحدة ..فهو يرجع لكمية المعلومات أو المعطيات المتوفرة عند كل إنسان ، بالإضافة لمهارته العقلية في حل المشكلات ، فالقضية قد تكون واحدة ، ومع ذلك يوفق شخص ويخفق آخر في معالجته لنفس القضية….
المنطق العقلي : ـ
…. لو سألت إنسان لم فعلت كذا ؟ أو لم اخترت هذه الطريقة بالذات في حل قضية ما ؟، فستجد أن لديه اعتبارات وشواهد معينة وأسباب وتقصيات ، كونت لديه ( منطق ) معين ، يدلل به على اختياره لهذه الطريقة أو تلك ……..
فالمنطق "هو الخلفية للمنهج أو الأسلوب الذي استخدمه الإنسان لحل قضية ما" …
العقل الإجرائي :ـ

يجب أن نفرق نظريا بين مادة العقل كـ (ذاكرة ـ مجموعة من العلوم ) ، والعقل الإجرائي كـ (أداة ومنهج في معالجة المشكلات)… فالعقل عندما تعرض له مشكلة معينة ، لديه مجموعة من العلوم والمعارف وبناء على تلك المعلومات والمعارف المتوفرة لديه ، يتخذ أو يفضل أسلوب معين لحل المشكلة أو القضية التي تطرأ عليه .. …
وبهذه الطريقة نظر ( أرسطو) في حل القضايا … أي أنه فرّق بين معلومات وخبرات العقل ، وبين منهجيته التي يتخذها في حل قضية ما ، فهو يعتقد أن الناس يختلفون في عقولهم من حيث كمية العلوم والمعارف التي لديهم ، لكن العقول جميعها تتفق من حيث المنهج الذي تتبعه في حل قضية ما .. … وهو ما سمي ( المنطق الأرسطي ) … حيث أراد ( أرسطو) حل كل القضايا بطريقة رياضية ، تجنب الخلاف بين الناس، وذلك بأنه إذا استخدم الناس هذا المنطق الرياضي حصلوا على نتيجة واحدة … أي أن 1+1=2 عند كل الناس بلا نزاع ، فهل نجح في ذلك ؟!
لكل عقل منطقه !
دعني الآن أعطيك هذا المثال ، لأوضح طبيعة ارتباط العقل بالمنطق ، لتلحظ أن المسألة ليست بالسهولة التي نتوقعها .. …
ـ هناك زمن قديم كان يعيشه الإنسان ، وهو ما سمى بالعصر السحري ، أو عصر الخرافة ، حيث كانت علوم الإنسان ومعارفه وخبراته بدائية ، وكان الإنسان في ذلك الزمن يعتقد أن الحرائق في الغابات والأمراض هي من أفعال أرواح شريرة وجن وعفاريت وما إلى ذلك .. فهذه المعلومات عند ذلك الإنسان القديم مستمدة من مجتمعه الذي يغذيه بها .. ، فيتكون له عقل خرافي ( لأن مادة العقل هنا كلها خرافات ) وبالتالي ينتج العقل الخرافي منطق خرافي ، لأن المعلومة التي تضلل العقل تنتج منطق مضلل أيضا ، … فالإنسان في هذا العصر الخرافي مثلا ، كان يحل مشكلة الطوفان أو حرائق الغابات بتقديم قرابين حيوانية ، وكان هذا منطقيا بالنسبة له لأنه مطابق لما يرشده إليه عقله … فعقله ليس سوى نتاج خبرات مجتمعه التي زوده بها .. وهكذا تمت معالجة الإنسان للأمور حتى تطور العقل تاريخيا وتجاوز تلك المرحلة بفضل عنصر آخر وهو الخروج عن مألوف مجتمعه وعلومهم أو اكتساب معلومات جديدة أو تمرد على العقل ، وبهذا زادت خبرات العقل وحصل على مادات علمية جديده ، تغير أو تحسن فيها مكون العقل فتحسن تبعا له منطقه ..بمعنى آخر تغيرالعقل أدى إلى تغير المنطق ، وهكذا كان العقل في كل زمان ينتج منطقه الخاص به والمفصل على مقياسه ..
لو أخذنا العقلية البوذية كمثال …نجد أن البوذي مثلا يتخذ من زيارة البوذا والتمسح به ـ منطق عقلي مقبول لمعالجة العقم مثلا … بينما هو منطق غير مقبول عند الهندوسي الذي يتمسح بالأبقار ! والعكس صحيح ! وهذا يؤكد مقولة أن العقل مكتسب من المحيط الذي ينشأ فيه .. وهكذا نجد أن هناك تلازم بين العقل والمنطق ..أي أن لكل عقل منطقه الخاص …. وهنا أود أن أقول " أن العقل الخرافي لا يمكن اكتشاف نفسه إلا بعد أن يتجاوز ذاته ! " من هنا جاءت أهمية أن يغذى العقل بمعلومة صحيحة حتى يصحح منطقه ….
lahcen
بين الحداثة والأصالة
بين الحداثة والأصالة
كثر الحديث عن الأصالة والحداثة أو ما يسمى بالأصالة والمعاصرة …
أيهما أفضل ؟ وأيهما اصح ؟ وهل يمكن أن نحافظ على أصالتنا وخصوصياتنا في عصر النت ؟ وفي ظل الهجمة الأمريكية على العالم الإسلامي والعربي ؟
يقول أوجين يونسكو: (كل أدب جديد هو عدائي ! العدائية تمتزج بالأصالة ! وهي تقلق ما اعتاد عليه الناس من أفكار .)
لاشك مطلقا من أن الأدب كالنهر الجاري المتحرك لا يعتريه السكون ولا يتوقف عن التدفق … وهو النبض الذي يستجيب لروح العصر هو النبات الذي لا يتردد في امتصاص العناصر التي تعينه على الاستمرار والتحسن والنمو ….
يقول أوجين يونسكو: (كل أدب جديد هو عدائي ! العدائية تمتزج بالأصالة ! وهي تقلق ما اعتاد عليه الناس من أفكار .)
لاشك مطلقا من أن الأدب كالنهر الجاري المتحرك لا يعتريه السكون ولا يتوقف عن التدفق … وهو النبض الذي يستجيب لروح العصر هو النبات الذي لا يتردد في امتصاص العناصر التي تعينه على الاستمرار والتحسن والنمو ….
فإذا جمد وركد صار مستنقعا متعفنا ….. وإذا كف عن الامتصاص أصبح هشيما تذروه الرياح …
وكما أن للتطور العلمي والتقني جوانبه السلبية والايجابية كذلك الأدب ، فلا يعتبر عدائيا من يطلب الخلاص من هذه الآثار السلبية ، وما دخل الأصالة ؟؟إنها الحاجز الذي يقي من الانجراف ويحمي من الزوال والاندثار والذوبان في الآخر …. فقد تكون السد الذي يحجز طغيان تلك الآثار.
إن الأصالة لا توحي بالجمود ، و لا تقف حاجزا طاردا للتطور والتقدم ، بل قد تكون القاعدة الراسخة والأرضية الأدبية الثابتة التي تدفع إلى التحديث والتجديد المقنن المعتبر وفق قيم المجتمع ومبادئه ومثله وخصائص لغته …. .
وهل لكل ذي لب وعقل أن يفتح بابه على مصراعيه لكل شاردة وواردة دون أن يمحص الداخلين ويتأكد من هويتهم واستحقاقهم للدخول ؟؟؟!
وكما أن للتطور العلمي والتقني جوانبه السلبية والايجابية كذلك الأدب ، فلا يعتبر عدائيا من يطلب الخلاص من هذه الآثار السلبية ، وما دخل الأصالة ؟؟إنها الحاجز الذي يقي من الانجراف ويحمي من الزوال والاندثار والذوبان في الآخر …. فقد تكون السد الذي يحجز طغيان تلك الآثار.
إن الأصالة لا توحي بالجمود ، و لا تقف حاجزا طاردا للتطور والتقدم ، بل قد تكون القاعدة الراسخة والأرضية الأدبية الثابتة التي تدفع إلى التحديث والتجديد المقنن المعتبر وفق قيم المجتمع ومبادئه ومثله وخصائص لغته …. .
وهل لكل ذي لب وعقل أن يفتح بابه على مصراعيه لكل شاردة وواردة دون أن يمحص الداخلين ويتأكد من هويتهم واستحقاقهم للدخول ؟؟؟!
انه أن فعل سيحدث له ما وقع لشلة الدجاج الأحمق في قصيدة احمد شوقي حين وصف الأمة العربية في فتحها الباب للاستعمار الغربي بالدجاج المغفلالذي فتح باب الخم لديك الهند الغريب عنهم حين جاء طارقا فإذا به يتحول من ضيف إلى صاحب دار يأمر وينهى .
إن الحداثيَّ الذي لا يُحكّم أصالته وتراثه الأدبي الخصب فيما يستورده من قوالب أدبية معلبة في نظري هو كناقل الفيروس ، وما أكثر الفيروسات وتنوعها في زمن العولمة … ! أو كالحمار الذي يحمل أسفارا ! فنراه يهرف بما لا يعرف ، ويحشر ألفاظا متنافرة لا يُستساغ طعمها ، ولا يُفهم معناها ولا يدرك مبتغاها كحال بعض الشعر الحديث الذي وصفه أحد الشعراء قائلا :تحدثني فلم أفهم عليها **** كأن حديثَها الشعر الحديثُ
وما الضير من الجمع بين الأصالة بتراثها المجيد وثوابتها الراسخة المتجددةوالحداثة الايجابية .
وختاما أقول لابد من غربلة لكل أدب دخيل أو جديد قبل الزهو والتغني به ، قد يستدعي هذا القول بعض الاستهجان والسخرية ولكن الذهب الأصيل لا يعرض للشغوفين به إلا بعد تمحيصه وتنقيته من الشوائب .
إن الحداثيَّ الذي لا يُحكّم أصالته وتراثه الأدبي الخصب فيما يستورده من قوالب أدبية معلبة في نظري هو كناقل الفيروس ، وما أكثر الفيروسات وتنوعها في زمن العولمة … ! أو كالحمار الذي يحمل أسفارا ! فنراه يهرف بما لا يعرف ، ويحشر ألفاظا متنافرة لا يُستساغ طعمها ، ولا يُفهم معناها ولا يدرك مبتغاها كحال بعض الشعر الحديث الذي وصفه أحد الشعراء قائلا :تحدثني فلم أفهم عليها **** كأن حديثَها الشعر الحديثُ
وما الضير من الجمع بين الأصالة بتراثها المجيد وثوابتها الراسخة المتجددةوالحداثة الايجابية .
وختاما أقول لابد من غربلة لكل أدب دخيل أو جديد قبل الزهو والتغني به ، قد يستدعي هذا القول بعض الاستهجان والسخرية ولكن الذهب الأصيل لا يعرض للشغوفين به إلا بعد تمحيصه وتنقيته من الشوائب .
lahcen botaghrassa.
الاثنين، 4 أبريل 2011
التربية المدنية :دراسة في أزمة الانتماء والمواطنة في التربية العربية
مقدمة:
مقدمة :
إذ كانت التربية كما يعرفها جان بياجيه" (j.Piage) بأنها مجموعة عمليات النمو والتكيف مع البيئة لحل المشكلات القائمة "فإن التربية المدنية بمفهومها الشامل لا تخرج عن إطار هذا التعريف. فقد كان علم التربية المدنية معنياً في الماضي بعلم الأخلاق وسياسة المدن ولكنه امتد في عصرنا الحالي إلى تناول موضوعات مستحدثة أوجدها التطور التقني والصناعي بما أحدثه من تغيرات في نسق الحياة بكل جوانبه، وما أدخله من عادات وأساليب تعامل لم تكن معروفة من قبل.
إن زيادة العبء التقني والفني في مواد الدراسة ومناهجها لم يغير الهدف الأسمى للتربية وهو إعداد المواطن الصالح. فالطبيب والمهندس والاختصاصي بأي مجال من المجالات قد يكون خطراً ووبالاً على المجتمع والدولة إذا لم يكن مواطناً صالحاً بالدرجة الأولى قبل أن يكون مهنياً، وهذا ما يجعل إعداد المواطن من أولى الأولويات في عملية التربية.
ولا شك في أن وسائل التربية والتعليم والتعامل مع المعطيات الاجتماعية والثقافية، والاقتصادية المعاصرة تتطلب تطويراً في الأساليب والوسائل حتى يتمكن الإنسان في مواجهة كل هذه التغيرات بأن يفرض تعاملاً متوازناً معها، فلا يشعر بالعجز عن التكيف مع متطلبات الحياة الجديدة، وعدم القدرة على تحقيق أهدافه.
لذلك لا يمكن معالجة مسألة التربية المدنية إلا في الإطار الزمني والحضاري اللذين يتحكمان بالإنسان فيمليان عليه ما يجب تعلّمه وممارسته حتى يعيش بتوازن عاطفي وعقلي مع محيطه. هذا ما يدعونا إلى تسليط الضوء على موقع التربية المدنية في تاريخ الحضارة الإنسانية حتى نتمكن من تحديد مضمونها في عصرنا الحالي في ضوء متطلبات الإنسان المعاصر. فالتربية المدنية ترمي إلى تكيف الإنسان مع متطلبات عصره، ومحيطه الاجتماعي. هذه المتطلبات لا يحددها الفرد من منطلق نظري بل يجد نفسه بمواجهتها، فهي متطلبات الواقع التي أفرزتها عوامل مختلفة ومتداخلة تفاعلت فيما بينها، فأوجدت الوضع الاجتماعي الذي يتهيأ الإنسان لدخولـه والتعامل معه، وعلى الفرد التكيف معه هذا الوضع حتى يدخل محيطه الاجتماعي ويمارس دوره فيه([1]).
ويمكن للإنسان أن يمارس تأثيره في مجتمعه بوساطة الدور الذي يؤديه، فيحدث التغيرات الإيجابية أو السلبية وفقاً لطبيعة هذا الدور. فكما أن الإنسان يتأثر بمحيطه فإنه يؤثر فيه أيضاً لذا فإن بناء حضارة عالمية إنسانية، يستلزم إعادة بناء الإنسان بناءً تمثل القيم الخلقية صلبه وجوهره. وإعادة بناء الإنسان هذه هي في صلب مهمة التربية بل هي أصلها وجوهرها"([2]). حيث تقع على التربية مسؤولية إعداد الإنسان للحياة الاجتماعية الناجحة كعضو في مجتمع معين، ثم كعضو في المجتمع الإنساني، فالتربية تشكل عقول الأجيال وتنمي لديهم قيم العمل والخير والسلوك الاجتماعي والعدل والديمقراطية والحرية وجميع القيم الفاضلة التي تحول الكائن البشري إلى كائن اجتماعي ومواطن صالح.
وقد لوحظ غياب بعض هذه القيم من الحياة الاجتماعية، فأصبحت هذه المجتمعات تعيش أزمات انعكست حتى على التربية فأصبحت هي الأخرى مأزومة، في مركب معقد تفاعلت فيه المؤثرات الاجتماعية السالبة وغدت تعيد نتاج هذا المجتمع أو ذاك بكل ما يعتريه من خلل وفقدت بذلك زمام المبادرة في تكوين المواطن وتربيته على قيم التسامح والديمقراطية والحرية والمواطنة الصحيحة. كما لوحظ تنامي لنزعات التعصب السياسية والمذهبية والمجتمعية التي تلغي مساحات الحوار والتفاهم وقبول الآخر. إن أي مجتمع مبتلىً بالتعصب هو مجتمع مريض والحقيقة التي تؤكدها التجربة الإنسانية أن الديمقراطية هي المنطلق الحيوي لحل التناقضات السياسية والمذهبية والمجتمعية بشكل سلمي حيث أن الديمقراطية في جوهرها تقوم على مجموعة من القيم والأعراف الإنسانية، كالتسامح والتعايش، واحترام الآخر، والحوار، والحل السلمي للخلافات، مع احترام حقوق الإنسان والاضطلاع بها كأرضية للممارسة الفاعلة في كافة هذه المجالات. ولما كانت هذه المفاهيم تشكل جوهر التربية المدنية، كما أنها ركائز أساسية لبناء المواطن وتأصيل قيم المواطنة لدى الإنسان العربي ولاسيما أنه يواجه في المرحلة الراهنة تحديات كبيرة (في الهوية، والفكر، والاقتصاد، والعلم......) تستوجب تأصيل قيم المواطنة الصالحة، جاء طرحنا للتربية المدنية كوسيلة قد تسهم في جعل التربية العربية أكثر فاعلية في تحقيق أهدافها بتكوين المواطن العربي الذي يعي دوره الحضاري والإنساني ويكون فاعلاً في الالتزام بمسؤولياته الوطنية والقومية والإنسانية. وإن التربية المدنية ليست مفهوماً مقتصراً على التربية النظامية بل يتعداها إلى جميع مؤسسات المجتمع، كوسائل الإعلام، والأندية الثقافية، ودور العبادة، والنقابات، والأحزاب السياسية، والهيئات الاجتماعية، ومؤسسات النفع العام.
يكتسب البحث أهميته من أهمية بناء الإنسان المواطن الذي تقع عليه أعباء النهوض الحضاري وبناء الأوطان. فلا تنمية أو تطوير يمكن أن يتم إذا لم نبدأ بالإنسان. وتعد التربية هي المعنية بهذا البناء الصعب الذي يقتضي الاهتمام بكافة جانب الشخصية، المعرفية، والسلوكية، والنفسية، والصحية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.....
ويرى الباحث أن التربية المدنية ربما تكون أنجح وسائل البناء لشخصية متوازنة ومواطن يحب الوطن ويتفانى في بنائه كما يدرك دوره الأخلاقي والوطني والقومي والحضاري والإنساني ويبادر بالعمل والفعل والسلوك لممارسة هذا الدور.
مفهوم التربية المدنية:
لا يختلف مفهوم "التربية المدنية" أو"التربية الوطنية" عن التربية بمعناها الواسع إلا بتركيزه على علاقة الإنسان بمجتمعه، وبيئته، ووطنه، وأرضه، فمفهوم التربية الوطنية ينطلق من مبدأ أساسي هو أن الفرد لا يعيش منعزلاً في أية مرحلة من مراحل حياته، بل هو دائماً عضو في جماعة ولا وجود له خارج إطارها، وهو نفسه لا يستطيع أن يدرك نفسه إلا جزءاً في كل، وإلا وحدة في طار هذه الجماعة، وقد اتفق الباحثون التربويّون الاجتماعيّون على تحديد مضمون "التربية المدنية" وإن اختلفوا في تعريفها أحياناً، فبعضهم يميل إلى تعريفها بقوله: "هي جانب التربية الذي يحدث شعور العضوية في جماعة حتى تتسق حياتها لفائدتها المتبادلة"([3]) في حين يدمج بعضهم الآخر التربية المدنية بالتربية الأخلاقية غير مميّز بينهما معتبراً أن فحواها هو ذاته مع أن التربية المدنية هي أشمل من التربية الأخلاقية، وإن كانت التربية الأخلاقية قاعدة لازمة للأولى فالتربية المدنية مرتبطة بمفهوم المجتمع المدني، والمواطن وحقوق الإنسان، والديمقراطية. هذه المفاهيم التي أسهمت في بلورتها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر في إعلان الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان 1789 ـ 1791 والذي جاء في مقدمته أن ممثلي الشعب الفرنسي المشكلين للجمعية الوطنية لما كانوا يعتبرون الجهل بحقوق الإنسان، أو نسيانها، أو ازدراءها الأسباب الوحيدة للمصائب العامة، ولفساد الحكومات، فقد عقدوا العزم على سرد حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة، والتي لا يمكن التنازل عنها"([4]).
لقد هدفت الجمعية الوطنية بهذا الإعلان إلى تثقيف كل أفراد المجتمع وإطلاعهم على حقوقهم وواجباتهم كي يتاح لهم تقدير تصرفات السلطات العامة وإرساء مطالبهم على حجج مقبولة([5]).
وهذا ما دفع فورييه (Fourier) إلى القول: "لقد اكتسب الإعلان طابعاً دينياً مقدساً، وصار للمعتقد السياسي رمزاً، أنه في كل الأمكنة العامة يطبع، وفي مساكن المواطنين، وفيه يتعلم الأطفال القراءة"([6]). وليس مفهوم التربية المدنية المعاصر جديداً في مضمونه فقد مارست الشعوب المتحضرة التربية المدنية حيثما وجدت في تاريخ الإنسان إلا أن المصطلحات تختلف، وإن كانت متزامنة ففي تاريخ المجتمع العربي نجد السياسة المدنية التي حددها ابن خلدون بأنها" ما يجب أن يكون عليه كل واحدٍ من أهل ذلك المجتمع في نفسه، وخُلَقِه، حتى يستغنوا في الحكام رأساً"([7])، ومعنى هذا أن بلوغ الإنسان درجة من الرقي في نفسه، وخلقه تجعله يتصرف اجتماعياً بصورة لا تؤذي الآخرين، وبالتالي لا توجب تدخل الحكام لأن وظيفة الحكام كما يحددها ابن خلدون ردع أفراد المجتمع، ومنعهم من العدوان، والظلم لكي يسود الأمن في المجتمع، ويقول ابن خلدون" ثم أن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه، وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم. وليست آلة السلاح التي جُعِلت دافعةً لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنها لأنها موجودة لجميعهم. فلا بد من شيء آخر يَدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يمكن من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم، وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة، والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى المُلْك"([8]).
وقد يقترب آخرون من هذا المفهوم، أو يبتعدون عنه تبعاً لتكوينهم الثقافي، فنرى من يعتبر التلازم قائماً بين التربية المدنية، والعلوم الاجتماعية. وهذه الأخيرة بنظرهم هي المدخل إلى التربية المدنية، وإلى التقدم السياسي والاجتماعي، فالتربية المدنية هي التمرس بنسق من المهارات يفضي لبناء المستقبل على قاعدة الديمقراطية، وقوامها التعلق بالوطن، بحيث تترسخ تلك المهارات داخل العائلة، وفي المدرسة، وفي الأندية الاجتماعية بصورة متكاملة بغية تحقيق الأهداف السامية لتلك التربية([9]). بينما يرى آخرون أنه إذا واجه الإنسان مشاكل الحياة بمفرده دون مساعدة، وتوجيه، فإن مواجهته ستكون غير ناجحة في تحقيق احتياجاته في حين أن الاستعانة بخبرات غيره تجنبه الأخطاء، وتزيد في فرص نجاحه، ويتم نقل هذه الخبرة من شخص إلى آخر بوساطة التربية وإن التمرس في منهج المجتمع، والمشاركة فيه يشكل التربية المدنية.
يتبين لنا من محاولات تحديد مفهوم التربية المدنية أن مضمونها هو صقل الشخصية الإنسانية بتدرب الإنسان على الحياة الاجتماعية وتمرسّه بها حتى يقوم بدوره فيها بانسجام تام مع الآخرين ومع متطلبات الجماعة، وانطلاقاً من هذا الواقع كان تعريفنا للتربية المدنية بأنها: إكساب أفراد المجتمع بصورة عملية وفعالة مبادئ ومهارات السلوك الاجتماعي المرغوب فيه في البيت والمدرسة والشارع والأماكن العامة وفي مهنته. وكذلك مبادئ احترام غيره وتقبل رأيه وإعانته وتجنب ما يضر به. وذلك بخلق ضمير اجتماعي لدى كل مواطن يستند إلى قيم التعاون والعدالة والديمقراطية وحب الوطن والغيرة عليه وتوظيف كل الطاقات لبنائه ورفعته لأداء رسالته الحضارية كجزء من الحضارة الإنسانية والحفاظ على البيئة بكل مكوناتها.
ويشار هنا إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك معايير وطنية للتربية المدنية، ولاسيما أن مبادئها مبنية على مجموعة من الوثائق كالدستور ولائحة الحقوق المدنية والفلسفة العامة القائمة في هذا البلد أو ذاك ومفهوم الديمقراطية والخصوصية التاريخية لكل بلد والتقاليد الخاصة للبلدان ودرجة تطويرها في مختلف المجالات. وفي ضوء هذه المعطيات يحدد كل بلد مفهومه للتربية المدنية.
وفي العودة إلى تعريفنا نجد أنه من المهم أن يكون السلوك المرغوب فيه نابعاً من تمثل الفرد للمبادئ وانطلاقاً من رقابة الضمير وليس خشية من العقاب أياً كان، فيصبح احترام القانون والالتزام بكل المبادئ المذكورة نابعاً من كونها قيم سامية، وهنا تكون عملية الإشراط منصبة على إرضاء الضمير الاجتماعي الذي كونه. وليست مربوطة بالإشراط السلبي المتمثل بالعقاب القانوني أو الاجتماعي أو بأي شكل من أشكال العقاب.
والتربية المدنية علم وفن، إنها علم في الأساس وفن في الأداء، علم يرمي إلى بناء الشخصية، وإلى إقامة علاقة جيدة بين هذه الشخصية والمجتمع، وكذلك كونها تحتوي مبادئ ثابتة يجب أن تنقل للإنسان الناشئ بوساطة علم التربية، ولا يمكنه أن يستوعبها إلا بالتعلم، ومن ثم إنها فن لأنها ترمي من جهة إلى صقل الشخصية الإنسانية وتظهر جمالها وتبلور إشعاعها على ذاتها، وعلى غيرها، ولأنها من جهة ثانية تتطلب مهارة، وإتقاناً، وذوقاً، وشعوراً سامياً عند أدائها. إن التاريخ الحضاري العربي عرف التربية المدنية كعلم عملي قائم بذاته فمنهم من أسماها بالسياسة المدنية، ومنهم من دعاها بالعلم المدني، ومنهم من قرنها بعلم الأخلاق وسياسة المدنية، وأجمع الكل على اعتبار هذا العلم علماً أساسياً في تكوين المجتمع الصالح([10]).
وبوساطة التربية المدنية تتكون المواطنة، والتي هي شعور الفرد بالانتماء إلى الجماعة، وشعور الجماعة بجمعها وتركيبها، وشعور كل من الفرد، والجماعة بالروابط المتبادلة، والمصالح المشتركة، إنها شعور الفرد باستمرار هذه الجماعة، وما قدمته من مجهودات في سبيل بناء مدنيتها، وما يترتب على هذا الشعور من تصور كحلقة في سلسلة متصلة، وجزء في عملية مطردة([11]).
المجتمع المدني
شغلت بهذا المصطلح كل من المدرستين الليبراليتين الممثلتين ب: آدم سميث (A.smith)، ريمون آرون... (R. Aron)، والمدرسة الجدلية: الجدلية: هيجل (Hegel)، ماركس (Marx)، غرامشي (Gramsci) وغيرهم، وذلك في القرن التاسع عشر ثم اختفى من الساحة السياسية والفكرية في مطلع القرن العشرين ليعود إلى الظهور في نهاية القرن العشرين بتعريفات متشابهة إلى حد كبير، ويتفق كريم أبو حلاوة مع سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل في تعريف المجتمع المدني بأنه: جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تعمل في ميادينها المختلفة، واجتماعية، وبهذا تكون العناصر البارزة لمؤسسات المجتمع المدني هي الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والاتحادات المهنية، والجمعيات الثقافية، والاجتماعية([12]).
وتعرف أماني قنديل المجتمع المدني بأنه "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرّة التي تملأ المجال العام بين الأسرة، والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم، ومعايير الاحترام، والتراضي، والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف"([13]).
أما محمود حواسن فيعرف المجتمع المدني بأنه "تنظيم الناس لأنفسهم للمشاركة في حل مشكلاتهم، والتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، والدفاع عن مصالحهم في مواجهة الآخرين بشكل سلمي.. والمدنية التي يشتق منها لفظ مدني تعني الأسلوب المتحضر في التعامل والتسامح مع الآخرين([14]).
ومن خلال التعريفات السابقة يتبين لنا أن جوهر المجتمع المدني ينطوي على العناصر الرئيسة التالية:
أ. الطوعية: فالركن الأول أن يكون انتظام الفرد في المؤسسات الاجتماعية فعلاً إرادياً حراً، يختلف في انتمائه عن أشكال الانتماء العرقي والسلالي كالأسرة، والقبيلة، والعشيرة.
ب. المؤسسية: والمؤسسية هي مجموعة قوانين راسخة يتم وضعها لمقابلة المصالح الجماعية، وهي أنماط مستقرة للسلوك الذي يتم الاعتراف به، وتنميته من قبل المجتمع. إن المؤسسات هي تنظيمات تتمتع بشرعية لإشباع حاجات الناس، والدفاع عن حقوقهم عبر الزمن، ومن هنا فإن تطويرها يأتي في إطار التغيرات في البنية الاجتماعية([15])، وتطال المؤسسية مجمل الحياة الحضرية تقريباً، والتي تشمل مناحي الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية.
جـ ـ الدور: الذي تقوم به المؤسسات في حماية مصالح أعضائها المادية والمعنوية، والدفاع عنها، والالتزام بإدارة الخلاف داخلها، وخارجها سواء أكان مع المؤسسات الأخرى، أو مع الدولة في ضوء قيم الاحترام، والتسامح، والتعاون، والتنافس، والصراع السلمي.
د ـ ضرورة النظر إلى مفهوم المجتمع المدني باعتباره جزءاً في منظومة مفاهيمية أوسع تشمل المواطنة، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية وتعزيز قيم السلام والمساهمة بالتطور الاقتصادي والاهتمام بالمنظمات والجمعيات المحلية وخلق ثقافة سيادة القانون.
وقد ظهرت هذه العناصر في المجتمع العربي في مراحله التاريخية المختلفة بدرجات متفاوتة، وأول ملامحها تتوضح في المجتمع العربي قبل الإسلام بظاهرة الأندية في المدن التي يجتمع فيها الملأ، أي الأشراف وأصحاب الثروة ومن لهم من أنصار وأتباع أي أصحاب القوة الذين يسنون للناس السنن وكان الانتساب إلى هذه النوادي طوعياً وأهمها نجده في المدينة والطائف ومكة([16]). أو دار الندوة ويضم الأحرار من أهل مكة والذين لا يقل عمرهم عن الأربعين، كما كان لديهم تنظيم يعرف باسم "نادي القوم" يجتمع فيه كل المواطنين في فناء الكعبة، يناقشون المسائل التي تهم الجميع، ويوزعون المهام المتعلقة بالكعبة وشؤون مكة على عدد من الأسر، ومن أهم هذه المسائل سدانة الكعبة، والسقاية، وسائر الخدمات الخاصة بالحجيج([17]). وإن كان ذلك لا يخلو من طابع أرستقراطي حيث كان مقتصراً على نخب محددة من الوجهاء وأصحاب الشأن ولكن الإسلام نظم هذه القيم بروح إنسانية.
وقد أطلق ابن خلدون مصطلح "المدنية" أو "العمران" على المجتمع الذي علل وجوده بحاجة الإنسان إلى القوة والدفاع عن النفس، وهذا لا يحصل إلا بتجمع بشري متعاون منظم "فلا بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، ,كذلك يحتاج كل واحد منهم أيضاً في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه"([18]). فالتعاون والنظام سمات أساسية للمجتمع المدني وهي لم تغب عن حصافة ابن خلدون، وهكذا فإن كثيراً من سمات المجتمع المدني كانت ظاهرة في مختلف الحقب التاريخية، إلا أن التطورات التي طرأت على حياة الإنسان تطلبت وظائف وسمات جديدة للمجتمع المدني الذي تدأب الأسرة والمدرسة ومؤسسة التنشئة الاجتماعية جميعها على بناء أركانه بما يحقق الوجود الحضاري للإنسان بحياة منظمة تضمن سعادته وتحقق غاية وجوده.
الاتجاهات العالمية في التربية المدنية:
هنا لا بد من التأكيد على أن الإسلام كان سباقاً في طرح القيم المدنية فكراً وممارسة وفق معايير ضمنت الحقوق والواجبات وشكلت الأسس التي بنيت عليها الحضارة الإسلامية. إن تطور المجتمع الإنساني باتجاه المدنية تميز بغرس قيم الديمقراطية التي تعزز بنية الإنسان المنتمي إلى هذا المجتمع، وشعوره بحقه في الحياة وواجباته نحو الآخر، وقد اتضحت هذه القيم في ظل الإسلام الذي رسخ الديمقراطية في مؤسساته عندما أكد على حرية الفرد في ممارسته الحياتية، وحقه في إبداء الرأي "وشاورهم في الأمر"([19]) وحقه في العيش الآمن الكريم، وواجبه نحو الآخر الذي تمثل بمبدأ "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"([20]) مما يمكن أن يلخص فعالية الفرد ضمن الجماعة وقد تحولت هذه القيم من أفكار مجردة إلى واقع اجتماعي يعبر الناس عنه في ممارساتهم الحياتية، وقد شعروا بالعدل، والمساواة على اختلاف عروقهم، وأصولهم فالناس سواسية كأسنان المشط ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح كما جاء في خطبة الوداع للنبي محمد r [أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد]([21]).
وقد كان فهم الإسلام لمسألة الديموقراطية عميقاً وينطلق من مبادئ إنسانية وحضارية في حين أن بعض الديموقراطيات المعاصرة تنطلق من مصالح سياسية أو اقتصادية وازدواجية في المعايير لمفهوم الديمقراطية، ويمكن لنا أن نرصد بعض الاتجاهات المعاصرة لطرق ووسائل التربية المدنية وتحقيق الديمقراطية ونلخصها فيما يلي:
1. التربية المدنية بالاعتماد على العناصر الرئيسة الثلاثة ذات العلاقة المتبادلة: المعرفة المدنية، والمهارات المدنية، والفضائل المدنية:
أ . المعرفة المدنية: تتكون المعرفة المدنية من أفكار جوهرية، ومعلومات يجب على المتعلمين معرفتها، واستخدامها لتصبح مؤثرة في سلوك مواطن الديمقراطية، وتتضمن المعرفة المدنية ـ بصورة ـ عامة مبادئ النظرية الديمقراطية، وعمل الحكم الديمقراطي، وتصرفات المواطنة الديمقراطية. إنها تحوي ـ بصورة خاصة ـ مفاهيم ومعطيات حول الديمقراطية في بلد المتعلم مع مقارنة ذلك بحال البلدان الأخرى.
ب. المهارات المدنية: هي العمليات الإدراكية التي تساعد المتعلم على فهم المبادئ وشرحها ومقارنتها، وتقييمها، وممارسات الحكم والمواطنية، وهناك أيضاً مهارات المشاركة التي تتضمن أفعالاً يقوم بها المواطنون لضبط تأثيرات السياسات العامة، وإيجاد الحلول للقضايا العامة، حيث تضمن المهارات الإدراكية، مهارات المشاركة واستخدام المواطن للمعرفة في تفكيره، والعمل بأسلوب قادر على الاستجابة للتحديات المستمرة للحكم الديمقراطي، والمواطنة.
جـ . الفضائل المدنية: العنصر الأساسي الثالث في التربية المدنية فهم السمات الضرورية للشخصية من أجل الحفاظ على الحكم الديمقراطي وتجويده وتعزيز قيم المواطنة، ويتمثل هذا في احترام الثروة، والكرامة لأي مواطن وأيضاً التمدن، والاستقامة، والانضباط الذاتي، والتسامح، وحب الوطن.
2. التعليم المنظم للمفاهيم:
يقوم التربويون المدنيون بتعليم مفاهيم حول الحكم الديمقراطي، والمواطنة بشكل منظم، وهم يؤكدون المعايير التي يستطيع المرء بوساطتها أن يحدد سمات المفاهيم الأساسية كالدستورية، والديمقراطية، وحقوق المواطنين، يعلمون الطلاب أيضاً استخدام المعايير في تنظيم وعرض المعلومات المتعلقة بالمؤسسات السياسية وطريقة أدائها"([22]).
3. تحليل الدراسات الواقعية:
في هذا الاتجاه يعمد المعلم إلى مطالبة الطلاب بتطبيق المفاهيم الديمقراطية الجوهرية ومبادئها الأساسية في أثناء تحليل الدراسات الواقعية. حيث يبين الاستخدام الصحيح لهذه المفاهيم في تفسير القضايا المتعلقة بالسلوك السياسي للأفراد والجماعات. مدى استيعابهم لمبادئ الديمقراطية ومفاهيمها، وغالباً ما تؤخذ موضوعات الدراسة من الصفحات اليومية للصحف، والمجلات الأسبوعية، والوثائق المنشورة عبر التليفزيون، مما يربط المتعلم بالقضايا اليومية فيخلق النشاط والحيوية في الحياة المدنية الحقيقية التي تصبح ممارسة فعلية داخل صف الدراسة. أي تعليم الديمقراطية، كما أن الديمقراطية تعني إيجاد مواطنين متعلمين، إذ يتعزز الاستقرار الوطني حيث توجد الديمقراطية([23]).
4. تطوير مهارات صنع القرار:
يهدف هذا الاتجاه إلى تطوير مهارات صنع القرار عند الطلاب بوساطة تحليل القضايا السياسية، والقانونية المأخوذة في الواقع، ويعمد الطلاب إلى منهج تحليل الظروف المتعلقة بالقرارات، والبحث في الاختيارات البديلة، والنتائج المحتملة لكل خيار، والدفاع عن خيار معين يعد في نظر الطالب أفضل الخيارات الأخرى، ونلاحظ أن هذا الأسلوب يؤثر ـ بصورة خاصة ـ في تعليم الطلاب كيفية استخدام مهاراتهم الإدراكية في منهج وتحليل الحقائق الوطنية. فالمواطن الصالح هو الذي يستطيع اتخاذ قرارات هامة وصحيحة ويمتلك مهارات التفكير التي تعد جزءاً لا يتجزأ من التربية المدنية وكذلك مهارات المشاركة والعمل الجماعي في سبيل المصالح العامة.
5. التحليل المقارن للحكم والمواطنة على المستوى الدولي:
إن انبعاث الديمقراطية الدستورية في مختلف أنحاء كثيرة من العالم خلق منهجاً جديداً في التربية المدنية يعتمد على المقارنة في التعلم حيث يوجه الطلاب إلى إجراء المقارنات بين المؤسسات الديمقراطية الدستورية في بلدهم الخاص والمؤسسات الديمقراطية الأخرى في مجتمعات مدنية عالمية، ويفيد هذا المنهج في تعميق فهم الطلاب لمؤسساتهم الديمقراطية، وينمي معرفتهم بالمبادئ الديمقراطية كما يؤكد أن المبادئ الديمقراطية يمكن ممارستها. كما يساعد هذا الاتجاه على فهم خصوصيات مفهوم الديمقراطية في كل بلد من البلدان وكذلك ترتيب أولويات المبادئ الديمقراطية في هذه البلدان. ويمكن أن تشكل الوسائل التقنية الحديثة مثل (الإنترنت) أداة هامة في هذا التحليل المقارن.
6. تطوير مهارات المشاركة والفضائل المدنية عبر نشاطات التعليم التعاوني:
يلجأ هذا الاتجاه في التربية المدنية إلى تنمية الفضائل المدنية بوساطة استخدام مهارات المشاركة بين الطلاب حيث ينشئ المعلمون مجموعات صغيرة من الطلاب تعمل فيما بينها للوصول إلى أهداف مشتركة، ولتحقيق ذلك لا بد لها من حل المشكلات الموجهة من قبل أعضاء الجماعة الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الخوض في النقد البناء وإجراء المفاوضات، وحل الخلافات، والتسوية، وإلى تعزيز المزايا والفضائل، والتسامح والثقة وغيرها من الفضائل المدنية، فالفضائل الحقيقية والأهداف الحقيقية حسب اعتقاد الفيلسوف الفرنسي هلفتسيوس تقوم على الرغبة في الخير العام. ويكون الإنسان عادلاً، عندما تكون كل أفعاله موجهة إلى الخير العام الذي هو القانون الأعلى([24]). وأن العدل مرهون بالإنسان المتنور فقط "خداع الشعب الجاهل أسهل من خداع الشعب المتنور"([25]).
7. استخدام الأدب لتدريس الفضائل المدنية:
يعمد هذا الاتجاه إلى توظيف الأدب في خدمة التربية المدنية إذ أنه يقدم أحياناً ـ في الرواية خاصة ـ نماذج أبطال تجسد في ممارستها الحياتية القيم المدنية التي يسعى المجتمع المتلقي إلى غرسها في أفراده وتكمن فعالية الأدب بما يملكه من عوامل جذب تجعل المتلقي مهيأ للتأثر بهؤلاء الأبطال، بل ربما تدفعه إلى تقليدهم، وتمثل أخلاقهم وتؤكد ساندرا ستوسكي (S.Stoski) الخبيرة في استخدام الأدب في تعليم الفضائل المدنية على القيمة التعليمية التربوية في تعريف الطلاب بالشخصيات التي تتسم بتلك المزايا من شجاعة،
وأمل، وتفاؤل، وطموح، ومبادرة فردية، وحب الوطن، وحب الأسرة، واهتمام بالبيئة، واستنكار للظلم الاجتماعي([26]).([27])
ويمكن للأدب أن يمارس وظيفته المدنية بوساطة الأجناس الأدبية الأخرى فليس تمثل القيم بالشخصيات الروائية هو الوسيلة الوحيدة وإنما الخطاب المباشر والشعر قد يملكان التأثير إذا ما كانت العناصر الجمالية متوافرة فيهما حيث يتوجه إلى العقل والشعور في آن واحد.
ويمكننا أن نذكر هنا ما يتضمنه الأدب العربي من حكمة، وأمثال شعبية تمثل خلاصة تجربة الشعوب والتي لعبت دوراً فعالاً في ترسيخ القيم السامية، وتوجيه الفرد نحو الفضيلة، كما تتضمن الرسائل المشهورة في تاريخ الأدب العربي كثيراً من القيم التي أسهمت في تهذيب الفرد لكي يكون عضواً صالحاً في المجتمع ونذكر على سبيل المثال بعض ما جاء في نص كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله([28]):
* إياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء. أكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ من أهل التجارب، وذوي العقل، والرأي، والحكمة، لا تحقرن ديناً، ولا تمالئن حاسداً، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصدقن نماماً، ولا تأمنن غداراً، ولا تحقرن إنساناً، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة، أرض الخصم، سلط الحق على نفسك، لا تسرفن بسفك الدماء فإن الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم، فلا تبغ انتهاكاً لها بغير حقها([29]).
ويلمس من يقرأ هذه الوصية أنها تنطوي على قيم أخلاقية تعتبر متقدمة جداً بالمقارنة مع ما تمارسه المدنيات الحديثة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
8 . التعليم الفعال للمعرفة والمهارات والفضائل المدنية:
يتضمن التعليم الفعال مفهوم التعليم المنظم، وتحليل الدراسات الواقعية، وتطوير مهارات صنع القرار، ووظائف التعليم المقارن، عبر المناقشات الجماعية المتفاعلة التي ترافق تعليم الفضائل المدنية، كما يتضمن مهارات إيجاد الحلول البديلة للنزاعات ومهارات العمل الجماعي، من خلال المواقف التعليمية التي تكسب المتعلم هذه المهارات وتصبح جزءاً من سلوكه اليومي المرتبط بجملة المبادئ والقيم والفضائل المدنية. وبذلك تجسد المعرفة بسلوك، والمهارة بممارسة.
9. وحدة المحتوى والمعالجة في تعليم المهارات والفضائل المدنية:
ينطلق هذا الاتجاه من اعتبار الفضائل، والمهارات المدنية، والفكرية وروح المشاركة متحدة مع المعرفة المدنية، وما تحتويه من قيم، فالمعلمون ينطلقون من فرضية كون التفكير المنطقي، والعمل الفعال المجدي لتحليل قضية ما، يتطلب منهم دراسة شروط نشوء هذه القضية، وظروفها وما يترتب على تغير الشروط، والظروف من نتائج محتملة، ويتطلب الفهم والتحليل، معرفة الطالب التي تؤمن له القدرة على التفسير والتقويم، وإن هذا التطبيق للمعرفة في التفسير، وحل القضايا يعتمد على مهارات المعالجة الإدراكية لهؤلاء الطلاب، فالمضمون الأساسي، أو موضوع المادة، والعمليات الإدراكية والمعالجات هي عوامل متداخلة متبادلة للتعليم والتعلم، ومحاولة رفع واحد فوق الآخر (المضمون فوق المعالجة، أو العكس) خلل بيداغوجي يطرأ على التربية المدنية الفعالة التي تتطلب تعليماً وتعلماً للمضمون الأكاديمي والمعالجة أي: المعرفة المدنية والفضائل والمهارات في آن واحد من أجل تحقيق وظيفة التربية المدنية المتمثلة في تطوير قدرة الأفراد على بناء الحكم الديمقراطي والمحافظة عليه في ظل الوعي بحقوق المواطنة وواجباتها([30]).
التربية المدنية في المرحلة المعاصرة:
تتميز المرحلة المعاصرة بتغيرات جذرية في البنية الاجتماعية أعقبت تحول المجتمعات البشرية من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية إثر اكتشاف وتطوير الآلة بصورة أحدثت انقلاباً شاملاً في المقاييس الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، فظهر معها المجتمع الإنساني المعاصر بصورة مختلفة اختلافاً تاماً عن تلك التي عرفت في المراحل التاريخية السابقة إذ نجد سيطرة الإنسان على المادة لم ترافقها سيطرة للإنسان على نفسه وعلى نزعاته الشريرة. فاليوم سيطر الإنسان على المادة بصور لم يسبق لها مثيل فقد طوع معظم القوى، والطاقات الطبيعية، وحولها إلى وسائل تخدم وجوده وحياته على هذه الأرض، وقد أدت هذه السيطرة إلى تسلط اجتماعي تتحكم فيه المجتمعات التي ملكت القوة بالمجتمعات الضعيفة وتمارس تأثيراتها المادية، والثقافية.
وقد تغيرت القيم الاجتماعية في المجتمع الصناعي وأصبحت حقوق المواطنة مسلوبة والديمقراطية مقصورة على فئة تملك مصادر القوة، وانسحب هذا الاهتمام على المواطن الفرد الذي عليه أن يحقق وجوده بتضخيم الأنا على حساب الأخر وإهمال القيم المدنية التي تربى عليها والتي ربما تكون عائقاً في تحقيق تفرده وسلطته ولم يعد للمجتمع المدني تلك القوة التي تحمي الفرد المواطن المنتمي إليه فخرج عن فضائله وهكذا سيطرت المعايير المادية على المعايير الأخلاقية والمدنية وقد أصبحت هذه المعايير عند بعض أفراد المجتمع المعاصر انتهازية تسلطية أهدافها الكسب والغنى وإن كانا على حساب القيم المدنية والفضائل فالإنسان الباحث عن قيمته الوجودية أصبح يقوم بما يملك لا بما يحمله من معرفة وأخلاق كريمة وسلوك قويم، وأن أخطر مظاهر التغير ما ينال المؤسسات الاجتماعية على اختلاف أشكالها (كالأسرة، ومؤسسات العمل، والمؤسسات النقابية والمهنية)، والعلاقات الاجتماعية، والقيم، والأخلاق، والأيديولوجيات، وسائر أنماط السلوك المادية والمعنوية السائدة في أي مجتمع، ومن هنا فإن الثقافة بوجه عام، وبالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة تتعرض أكثر فأكثر لهزات كبرى، وهي عرضة للتآكل والامحاء بعد انتشار العولمة ـ خاصة ـ بسبب سيطرة نمط واحد في الثقافة الطاغية هو النمط السائد لدى الدولة المتقدمة([31]). والتي يحاولون تصديرها بمختلف الوسائل كنموذج بشري مثالي، مع ما يكتنف بعضها من زيف وبهتان وما هي في كثير من جوانبها إلا نماذج مشوهة وممسوخة لحقوق الإنسان والديمقراطية والعدل المزعوم. وحرية أقرب إلى الانحلال بكل معانية والانفلات من كل القيم يراد به تهشيم البنية الثقافية والاجتماعية والدينية العربية.
ومما يميز المجتمع المدني المعاصر تصدع البنية الاجتماعية النواة أي الأسرة واختلال التوازن والاضطراب الناتج عن اتجاه الزوجين إلى العمل لتحقيق الكسب المادي وإهمال تربية الأطفال وقد أصبحت هذه الوظيفة خاصة بطبقة من المسحوقين الجهلة الذين لا يعرفون الحق أو الواجب وبالتالي هم غير مؤهلين لحمل هذه المسؤولية الخطيرة بالإضافة إلى كون غربتهم عن الأطفال تشكل حاجزاً أمام تقديم ما يحتاجه الأطفال من الحب والرعاية البدائية التي نجدها في المجتمع الحيواني، وهكذا نجد الطفل ينشأ غريباً عن والديه جاهلاً بالقيم التي تجعل منه عضواً اجتماعياً نافعاً، هذا الشرخ الخطير في العلاقة بين الوالدين والأبناء ترك آثاراً خطيرة في المجتمعات الصناعية التي بنت في الجوانب المادية، وهدمت في الجوانب الاجتماعية والأخلاقية. مما استدعى التركيز أكثر فأكثر على الجوانب التربوية، والثقافية والأخلاقية لدى الإنسان، وهكذا أدرك المسؤولون فداحة الخطر الذي يهدد مجتمعهم فيما إذا استمرت عملية الاختلال، واستمر التصدع المؤدي حتماً إلى انهيار الأنظمة الاجتماعية التي قضت البشرية قروناً في إقامتها مستعينة بالأديان، والأخلاق، والتربية.
التربية المدنية في إطار الأسرة:
يقول كل من برجس (E.Burgess,) ولوك (J.locke) في كتابهما الأسرة "لقد نال المجتمع البشري حضارته بفضل الأسرة وأن مستقبله يتوقف بصورة مباشرة على هذه المؤسسة أكثر من أية مؤسسة أخرى"([32]).
ولما كانت الأسرة نواة المجتمع المدني اتجه الاهتمام إلى التربية المدنية ابتداءً منها فهي الركن الأساسي في بنية المجتمع الإنساني، وإن انتماء الفرد لمجتمعه يتم عبر انتمائه لأسرته التي تشكل الخلية الاجتماعية التي يترعرع ضمنها الطفل، ويدخل المجتمع الأكبر مزوداً بما اكتسب من قيم ومبادئ سلوكية تعكس درجة انتمائه إلى مجتمعه، والتربية المدنية هي التي يمكن أن توفر له نشأة صحيحة تبعده عن الانحراف، والواقع أن التربية المدنية التي يمكن أن نتصورها ضمن الخلية العائلية تتصف بصفتين هما التعليم والتعلم: تعليم للولد، وتعلم من الولد، تعليم للوالدين، وتعلم منهما لمسؤوليتهما كوالدين مسؤولين عن حياة ولدهما ومصيره وأخلاقه وشخصيته ونفسيته.
إذاً يمكن القول: إن عملية التربية المدنية في المستوى العائلي تتضمن اتجاهين، الأول علاقة الوالدين بالولد، وواجباتهما نحوه، والثاني: علاقة الوالدين فيما بينهما كزوجين ومربيين، وما لهذه العلاقة من تأثير مباشر في تربية ولدهما وتنشئته تنشئة سليمة. وقد اهتم إعلان حقوق الإنسان بحماية الأسرة، وأكد على حقها في التمتع بحماية المجتمع والدولة([33])، فالأسرة بوصفها حجر الأساس في بناء الشخصية الإنسانية بحاجة للتوجيه للمحافظة على كيانها الاجتماعي وإضفاء جو من العاطفة، والمحبة، والتفاني بين أعضائها، وبحاجة لإقامة علاقات إنسانية تسودها المحبة بين الوالدين والولد، ولتوفر له الاتزان العاطفي، والبيئة النفسية الملائمة لنموه الجسماني والعقلي والعاطفي، تقول المربية بيني ريردون (B.Rerdon) "إن على التربية أن تواجه التحدي، وأن تعمل على إعداد الصغار لتحمل مسؤولياتهم الكونية والعالمية.. وتقبل مسؤولية العمل على خلق مجتمع عادل تسوده قيم التسامح وحقوق الإنسان([34]).
إن إقامة العلاقات الإنسانية بين ذوي الرحم والأقارب المبنية على الاحترام المتبادل، والمحبة، والتسامح والتعاضد، وإعطاء كل ذي حق حقه ـ يشكل نموذجاً للعلاقات الإنسانية العامة، والسلوك الاجتماعي القويم، وكلاهما مطلوب من الفرد كخطوة أولى لاندماجه في مجتمعه.
ويمكن القول هنا إن الأسرة المصغرة هي المدرسة الأولى للعلاقات الإنسانية التي يتعلم فيها أول دروس الحب والكراهية والعدل والظلم فبقدر ما تبذل هذه المدرسة من جهد في إقامة العلاقات الإنسانية الجيدة بين أفرادها تكتسب الشخصية الإنسانية خبرة ومراساً في تعاملها مع الآخرين. لذلك يترتب على الوالدين تعلم فن الوالدية كوظيفة اجتماعية مطالبين بأدائها فيؤدي كل منهما دوره فيها، ومن جهة أخرى تعليم الأولاد القيام بأدوارهم في الأسرة من خلال ما يطلب منهم من وظائف، وخدمات تخرج الولد من أنانيته الفطرية إلى اجتماعيته المكتسبة.
وقد اهتم المربون بدور الأسرة التربوي ونبهوا إليه حيث أشار المربي الإنكليزي هربرت سبنسر (H.Spencer) إلى الحاجة إلى التربية الأسرية إذ يرى "أن الغرض من التربية هو إعادة الفرد للحياة الكاملة في مختلف نواحيها وأن نواحي هذه الحياة هي التالية مرتبة حسب أهميتها الصحية، والمهنية والأسرية، والوطنية، والثقافية"([35])، وقد حدد إبراهيم ناصر وظائف الأسرة بست هي: التربية الجسمية والصحية، والتربية الأخلاقية والوجدانية، والتربية العقلية، والتربية الاجتماعية والوطنية والاقتصادية، والتربية الجنسية، والتربية الترويحية([36])، وهذه الوظائف متكاملة في أهميتها في خلق الكائن الاجتماعي المتمدن.
ويمكن لنا أن نلخص وظيفة الأسرة في التربية المدنية بتعليم الأطفال المسؤولية، والمحافظة على البيئة، والمواطنة، ونقل الحضارة والثقافة، وأسس النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي، والديمقراطية والعدالة والأخلاق والسلام وحب العمل، وغرس قيم الخير والجمال والتسامح والتعاون لديهم. وينبغي هنا التأكيد على أن هذه القيم لا ينبغي استيرادها ولا تقليد الآخرين في تطبيقها. إذ هي تشكل جوهر تراثنا العربي الإسلامي، وهي معالم أصيلة في حضارتنا العربية علمناها لكثير من الأمم وأسهمنا بها في الحضارة الإنسانية ومع أننا أحوج ما نكون إليها الآن إلا أنه لا ينبغي بأي شكل أن نسترد بضاعتنا التي شوهت وإنما نستنبطها من إرثنا الحضاري ونصنعها وفق متطلبات تطور الحياة بما يتفق مع مرتكزاتنا الثقافية والاجتماعية والدينية وأرى بأن هذا مخرجنا للخلاص.
أ. التربية على تحمل المسؤولية:
المسؤولية هي الإحساس بالالتزام نحو الأشياء، والأفراد، والأفعال التي تصدر عن الإنسان، وهي شعور مقترن بإحساس الفرد بالحرية والقدرة على اتخاذ القرار، أنها الشعور الذي يخلق الواجب نحو الآخر، ونحو ما يصدر عنه باعتباره كائناً عاقلاً قادراً على التمييز بين الخطأ، والصواب في العرف الاجتماعي السائد وباعتباره حراً، ومالكاً لما هو مسؤول عنه، حيث يضم مصطلح الملكية هنا في بعض الحالات ـ مفهوم الانتماء: انتماء الأفراد إلى المالك بعلاقة من العلاقات التي تمنح المالك السلطة، كسلطة الحاكم، أو سلطة الأسرة، أو سلطة رجل الدين، فالمسؤولية هي الالتزام، ويكاد يكون هذا الالتزام فطرياً لأنها من أول الروابط التي يشعر بها الطفل عفوياً([37]). وتنمى بالتربية التي تهدف إلى تعليم الطفل الاختيار بعد أن يعطى الشعور بالحرية سواء أكانت هذه التربية مدنية أم طبيعية، ولعل التربية الطبيعية تقدم الشكل الأول للتربية بروح المسؤولية، وهي شكل التربية الذي يمثل روس
(J.Rousseau) التربية التي تسعى إلى تعليم الطفل كيف يختار بحرية، ويصبح مسؤولاً، وقد أكد روسو أن "الإنسان يملك حرية الإرادة، وبفضل هذه الحرية فقط يختار الإنسان الأشياء، والأعمال الجيدة والسيئة بنفسه. هل يقوم بالخير، أم يرتكب الشر، أنه مسؤول في ذلك، وحتى إذا ارتكب عملاً سيئاً فإنه يتألم من عذاب الضمير"([38]).
(J.Rousseau) التربية التي تسعى إلى تعليم الطفل كيف يختار بحرية، ويصبح مسؤولاً، وقد أكد روسو أن "الإنسان يملك حرية الإرادة، وبفضل هذه الحرية فقط يختار الإنسان الأشياء، والأعمال الجيدة والسيئة بنفسه. هل يقوم بالخير، أم يرتكب الشر، أنه مسؤول في ذلك، وحتى إذا ارتكب عملاً سيئاً فإنه يتألم من عذاب الضمير"([38]).
وقد كانت المسؤولية أساساً من أسس التربية المدنية الإسلامية التي منحت الإنسان الحرية وحق الملكية، وفرضت عليه واجبات نحو الآخر في المجتمع الذي ينتمي إليه ونحو الإنسان فجاءت الآيات القرآنية والأحاديث والممارسات لتؤكد مسؤولية الإنسان نحو ما يصدر عنه بحق الأخر، ]ولا تزر وازرة وزر أخرى{([39])، ]ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره{([40])، [كلكم راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته]([41]).
كما أكدت مواثيق حقوق الإنسان على مسؤولية الفرد، فجاءت المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "1948" لإلزام الفرد بمسؤوليته نحو الجماعة "على كل فرد واجبات إزاء الجماعة التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل"([42]). وجاء في المادة التاسعة عشر من إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام 1990" المسؤولية في أساسها شخصية"([43]).
وفي المادة الأولى من هذا الإعلان الأخير: "كل الناس سواسية في الكرامة الإنسانية الأساسية، والواجبات، والمسؤوليات ومن دون أي تمييز بسبب السلالة أو اللون، أو اللغة، أو الجنس، أو الاعتقاد الديني أو الانتماء السياسي"([44]).
وهكذا تتضح لنا ضرورة التربية على تحمل المسؤولية، وتوجيه التربية المدنية في المستوى العائلي إلى بعث الشعور بالمسؤولية لدى الأولاد والوالدين، بتنمية حس المسؤولية لدى الناشئ ليكفل الحفاظ على الآخر، والأشياء ذات القيمة في البيئة الاجتماعية، بل إن على التربية تحمل المسؤولية في تنمية القدرة الإنسانية فمسؤولية الإنسان عن فعل أو شيء أو إنسان أو مجموعة بشرية تعني أنه قادر على حماية ما هو مسؤول عنه وبالتالي تمنحه قيمة ترضي نزعة الإنسان نحو التفوق وبالتالي نجد أن تنمية حس المسؤولية تؤدي إلى زيادة قوة الفرد وتحقيق عنصر أساسي في بنية المجتمع المدني.
ب. التربية من أجل المحافظة على البيئة:
المجتمع المدني ليس مجموعة بشرية منظمة متوائمة في ظل مجموعة من القيم الأخلاقية فحسب، إنه مجتمع ينتمي إلى مكان محكوم بطبيعته، ومدى صلاحيته للعيش الإنساني، وقدرته على تغذية المجتمع بما يملكه من موارد قابلة للاستثمار، لذلك وجب على التربية المدنية أن تتجه منذ البداية نحو حماية المكان أو البيئة الطبيعية، ورعايتها لتكون في أفضل حالاتها لخدمة المجتمع ويكون ذلك ببث الوعي بقيمة الطبيعة المادية والجمالية، وتعليم الطفل كيفية المحافظة على البيئة حتى نتجنب كارثة بيئية محققة بسبب اعتدائنا عليها بالهدم، أو التلوث، وإذا كانت مسؤولية الإنسان تنصب على ما يملكه ملكية خاصة، أو ما ينتمي إليه، فإن البيئة أهم ما ينتمي إليه الإنسان، وتسعى التربية المدنية لأن تبرز أثر البيئة في حياة الفرد والمجتمع، ومتانة علاقة الإنسان بها، وكذلك مسؤولية الفرد عن الأجيال القادمة، وبالتالي تخلق لديه دافع حمايتها من التخريب والتلوث، والتشويه، إن على التربية في مستوى الأسرة أن تنمي لدى الطفل القدرة على الاستمتاع بالجمال، والنظافة، لتزيل من داخله الرغبة في إتلاف وإفساد الطبيعة، وأن تخلق لديه الوسائل الكفيلة بالحفاظ على البيئة، حتى لا يشعر بالعجز عن حمايتها، وأن تعزز قيمة الأفعال الإيجابية التي يقوم بها الطفل لحماية ما حوله، وذلك من أجل أن نضمن للمجتمع في النهاية البيئة الصحية السليمة الصالحة للحياة، فالحفاظ على البيئة هدف إنساني أكد عليه الإسلام حتى في حالة الحروب، ونذكر هنا بوصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان قائد جيش المسلمين إلى الشام وجنوده، والتي جاء فيها "إني أوصيك بتقوى الله وطاعته والإيثار له والخوف منه وإذا لقيت العدو فأظفركم الله بهم فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً كبيراً ولا حراً ولا تحرقوا نخلاً ولا تفسدوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكله"([45]).
جـ . التربية على المواطنة:
عندما تحلو الأرض في أعين ساكنيها، فينعمون بخيراتها، وثمراتها، ويطمئنون إلى وجودهم عليها، تنبت لهم فيها جذور، تشدهم إلى الأعماق، ويثمرون حباً، وتعلقاً، وغيرة، فالحب انتماء، ولا يمكن أن ينتمي الإنسان إلى شيء لا يحبه، كما أنه لا يمكن أن يحب دون أن يشعر بالانتماء إلى ما يحب، أو بانتماء ما يحب إليه، وانتماء الإنسان إلى الأرض يتبلور عبر المواطنة الصحيحة تلك الرابطة بين الإنسان والوطن، وهذه الرابطة لا يدركها الإنسان إلا بالتربية المدنية التي تعلم الإنسان أن يكون حراً خيراً في وطن تسود فيه الحرية والديمقراطية، وقد أكد روسو (J. Rousseau) على العلاقة بين المواطنة وحرية الوطن والفضيلة عندما قال: لا يمكن للوطن أن يقوم بغير الحرية، والحرية بغير الفضيلة، والفضيلة بغير المواطن وستبلغون كل هذا إذا أعددتم المواطنين، وبدون هذا الإعداد لن تجدوا إلا عبيداً أشراراً بدءاً من رئيس الدولة، ولكن إعداد المواطن ليس عمل نهار واحد"([46]) إذ إن إعداد المواطن يعني بناء الكائن الاجتماعي المزود بنسق من الأفكار، والمشاعر والعادات التي لا تعبر عن ذاته الفردية فحسب، وإنما عن الجماعة، أو الجماعات المختلفة التي ينتمي إليها، فالكائن الاجتماعي ليس معطى من معطيات البيئة الفطرية للإنسان، ولا يمكن أن ينمو بشكل عفوي لان ما يحركه هو التجربة والغريزة، والعاطفة، كما قال روسو "(J.Rousseau) إن التجربة والغريزة والعاطفة تحرك الإنسان، كما هو الحال عند الحيوان من أجل تلبية حاجاته الحيوية"([47]) ويجد دوركهايم (E.Durkheim) أن الإنسان "ليس ميالاً بفطرته إلى الخضوع إلى السلطة السياسية، أو إلى احترام النظام الأخلاقي، أو التضحية والإيثار، إذ لا يوجد في بنيتنا الفطرية الأولية ما يدفعنا إلى أن نكون خاضعين لإرادة سماوية، أو شعارات رمزية مساندة في المجتمع... إنه المجتمع الذي استطاع أن يستمد من قدسية هذه الأشياء سلطاته الأخلاقية الكبرى التي تجعل الفرد يشعر بدونية إزاءها"([48]). لذلك فالتربية المدنية لا تتجاهل البنية الفطرية في سبيل تحقيق غايتها في خلق المواطن، أو الكائن الاجتماعي، هذه البنية الفطرية التي لا تهتم إلا بالأنا، وما يتعلق بغريزة البقاء، وقد رأى هلفتيوس (G. Helvetius) أن "حب الذات هو الأساس الوحيد الذي يمكن أن تبنى عليه قاعدة الأخلاق الفريدة" ووافقه على ذلك لوك (W.Locke) وغولباخ (G.olbadh)، حيث علم الأخلاق يبني على أساس الرغبة الأنانية نحو المتعة التي يعدها مصدر السمات الأخلاقية لأفراد المجتمع([49]). والانتماء إلى الوطن يرتب واجبات على الإنسان كما يولد فيه شعور المحافظة على ما ينتمي إليه فإذا دعي إلى القيام بدوره في وطنه شعر بأنه يقوم بأداء وظيفة هامة مهما كانت مكانة الوظيفة فالحاكم والقاضي والمعلم والطبيب والمهندس والعامل والفلاح كل منهم يقوم بدوره الذي كلف به وفقاً لمهاراته وقدراته، فإذا شعر هؤلاء بالمواطنة الصحيحة، وبالانتماء إلى وطن حافظوا عليه، وامتنعوا عن العبث بمقدراته، أو استثمار وظائفهم لغايات أنانية وشخصية، وسيشعرون بأنهم مواطنون يتمتعون بحقوق المواطنة في حرية وعدل ومساواة وحق العيش الكريم، فيتجهون إلى حماية المصلحة الوطنية بعد أن ضمنوا حقوقهم المصونة.
د. وظيفة الأسرة تجاه الحضارة والثقافة:
يتعاظم دور الأسرة في تأصيل قيم المواطنة عند الطفل وتزويده بالقيم الحضارية والثقافية، إذ أننا نرى من خلال النظر إلى دراسات علم النفس اللغوي التي تناولت تعلم اللغة بأن هناك سناً محددة تكون فيها إمكانات تعلم اللغة محفزة لدرجة كبيرة، وهي ما تسمى بالزمن الحرج لتعلم اللغة وتضاؤل عملية التعلم عند فوات هذه الفترة كما أثبتت ذلك دراسات تشومسكي. (H. Chomsky) ويمكن أن ننظر بهذا المنظار إلى عملية اكتساب قيم المواطنة على أنها تكون أكثر ثباتاً وتأصلاً ودواماً إذا تمت في سن مبكرة على يد الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، ويمكن ملاحظة ذلك بالمقارنة بين القيم الدينية والاجتماعية إذ أنها تبدو أكثر ثباتاً من القيم الوطنية وقد يكون مرد ذلك إلى الأطفال يتعلمون هذه القيم في سن مبكرة وعلى أن هناك مرحلة حرجة أيضاً لتعلم واكتساب قيم المواطنة. وقد أشار الفيلسوف الفرنسي هلفتيوس (G.Helvetius) إلى ضرورة تعليم الفضيلة منذ عمر مبكر حيث يقول "للأسف بأنه إلى الآن لا وجود لمدارس يتم فيها تعليم علوم الأخلاق" ويذكر أن ما يدرس في المدارس أبان عصره الشعر اللاتيني والبلاغة.، أما دروس الأخلاق فلا تعطى أية ساعة. ويجد هلفتيوس (G.Helvetius) إلى ضرورة تعليم الفضيلة منذ عمر مبكر حيث يقول "للأسف بأنه إلى الآن لا وجود لمدارس يتم فيها تعليم علوم الأخلاق" ويذكر أن ما يدرس في المدارس أبان عصره الشعر اللاتيني والبلاغة.، أما دروس الأخلاق فلا تعطى أية ساعة. ويجد هلفتيوس (G. Helvetius) بأن التوقيت الأفضل للبدء بالتربية الأخلاقية هو في مرحلة الطفولة المبكرة حيث يمكن أن تغرس في ذاكرة الطفل تعاليم ومبادئ العدالة التي تؤكد التجربة صحتها ومنفعتها يوماً بعد يوم([50]).
ويميل البعض إلى التمييز بين الحضارة Civilization والثقافة Culture ويجدون أن الثقافة هي الجانب الروحي في حياة الإنسان كالأفكار، والأساطير، والدين، والفن، والأدب، وقد عرف وليم كلباترك (W.kilbatrik) الثقافة بأنها "كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من مظاهر في البيئة الاجتماعية"([51])، بينما تعني الحضارة الجانب المادي وما وصل إليه الإنسان من منجزات تكنولوجية، ويجد فيبر A-Weber أن الحضارة "تشكل جملة هذه المعارف النظرية التطبيقية، غير الشخصية، تلك التي يعترف إنسانياً بصلاحيتها، ويمكن تناقلها، أما الثقافة فهي جملة من العناصر الروحية كالمشاعر، والمثل، والقيم المشتركة التي ترتبط خصوصيها بجماعة معينة وزمن معين"([52]).. ويستخدم بعضهم المصطلحين بمعنى واحد كما فعل تايلور (Tylor) عندما قال: "إن كلمة ثقافة أو حضارة، بمعناها الانتروبولوجي تشير إلى كل معقد يشتمل العلوم والفنون والعقائد والأخلاق والقوانين والعادات، وكل ما يكتسبه الإنسان بوصفه عضواً في الجماعة"([53]). ولكن تايلور (Tylor) نفسه يعود ليميز بين المفهومين وذلك في سياق التطور الإنساني حين يتحدث عن الحالة البربرية والحالة الوحشية ثم حالة الحضارة، والحضارة هنا تشير إلى درجة تطور ثقافي متقدم. فالحضارة هنا هي الثقافة حينما تصل هذه إلى درجة عليا من التطور، وغالباً ما يميل المفكرون إلى التمييز بين المفهومين على النحو التالي: الثقافة هي الجانب الروحي في حياة الإنسان كالأفكار والأساطير والدين والفن والآداب بينما تعني الحضارة الجانب المادي والتي يشار إليها من خلال المنجزات المادية للإنسان كالتكنولوجيا والعلم والمنشآت المادية([54]). وهنا يمكننا الإشارة إلى تلازم هذين المفهومين بعلاقة تبادلية يصعب فكها، فكل ثقافة لا بد أن تفرز حضارة ما، وفي الوقت نفسه فإن كل حضارة ستفرز وتصنع ثقافة خاصة بها. وهذا لا ينفي التأثير والتأثر بالحضارات والثقافات الأخرى.
وتتميز المجتمعات بمحتواها الثقافي والحضاري الذي يسمها بسمات التمدن وهكذا يتميز كل مجتمع عن الآخر بطريقة حياته ومعيشته، وتفكيره، وسلوكه، ويقاس رقي الحضارة بتساميها، وتطلعاتها نحو المثالية الإنسانية التي أمرت بها الشرائع السماوية، والتعاليم المدنية والدينية، والناقل الأول للحضارة والثقافة هو الأسرة([55])، فإذا كان ما اختزنته منها ضئيلاً لم تستطع إعطاء أكثر مما تملك، فيكون عطاؤها ضحلاً ضعيفاً، أما إذا كان نصيبها من الحضارة والثقافة كبيراً نقلته إلى أبنائها، فشبوا وهم أغنياء بتراث ورثوه، رفع من شأن أهلهم كما يرفع من شأنهم، فمن واجب الأسرة تعريف أبنائها بما أطلق عليه سكينر "(B.F.Skinner) خير الحضارة"، "وهو الخير الذي يدعو أعضاء الجماعة للعمل ابتغاء صون الحضارة، والحفاظ على عظمتها([56]).
وهكذا نصل إلى أن من أولى واجبات الأسرة أن تعلم الأطفال المسؤولية، والمحافظة على البيئة، والمواطنة، وتعرفهم بحضارة المجتمع، وثقافته، وبأسس النظام السياسي، والنظام الاقتصادي، والنظام الأخلاقي وأن تسهم بتشكيل ذهنية الفرد أي "طريقة النظر إلى الأشياء ونموذج التفكير الذي يحكم سيطرته على عقله، والذي يتشكل في المراحل الأولى من حياته"([57]). وبالتالي تنمي إمكانية الاستيعاب لدى الفرد من أجل عملية التكيف التي يمارسها غالباً بصورة عفوية، أو فطرية، أو بدائية في مضمونها، وأسلوبها.
لا شك في أن هناك نقاط ضعف، ومراكز وهن في الدور الوظيفي للأسرة العربية، وهذا ما يجب استدراكه بغية تعزيز هذا الدور، وتطويره كي يصبح في المستوى الفاعل في حياة الفرد بما يتطلب ذلك من انفتاح فكري ومواجهة واقعية لحقائق الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، ومتطلباتها ويحمل مؤلفا "التربية وحقوق الإنسان في الوطن العربي" الأسرة المسؤولية بالدرجة الأولى عن بناء الروح العصبية والتسلطية عند الأفراد، وتنمية مشاعر الكراهية، والحقد، والتعصب بما تبثه من أحاديث تعزز الفخر بالطائفة التي تنتمي إليها، وبالنظرة السلبية للطوائف الأخرى، أو المجموعات المختلفة ثقافياً أو عرقياً، وتشيع عليها الأحكام الدونية، ونغمة التخويف من هذه الجماعات، ومن ثم تعزيز مشاعر العدوان والعداوة التاريخية، وقد لا يكون كبار الأسرة قد هدفوا إلى تنمية هذه المشاعر السلبية وفي الغالب يحدث ذلك عن غير قصد بسبب جهلهم إثر أحاديثهم العابرة في نفوس أطفالهم وقد نبه دوركهايم (E.Durkheim) إلى ذلك فقال: "وإذا كان الآباء والمعلمون يشعرون دائماً أن كل شيء يمر أمام الأطفال يترك أثراً في نفوسهم، وأن بنية الطفل النفسية، وشخصيته مرهونتان بآلاف الأحداث الصغيرة التي تمر دون أن نشعر بها، والتي تحدث في كل لحظة، والتي قلما نعيرها أي اهتمام بسبب تفاهتها الظاهرية، فإنهم سيولون لسلوكهم ولغتهم مزيداً من الاهتمام"([58]).
وإذا لم تستدرك الأسرة العربية نقاط الضعف هذه وتعالج ما بها من وهن فسوف تفقد وظيفتها بل سوف تؤدي دوراً سلبياً يدفع الفرد إلى العنف، والانحراف بتحررهم من الضوابط السلوكية السليمة. ومن البداهة بمكان أن الأسرة العربية محكومة على الأغلب بنسق مجتمعي يعزز التميز والقبلية أو الطائفية، والتعصب، وفي مواجهة هذه الوضعية المأساوية يترتب على المعنيين بالأمر سياسيين وتربويين ومفكرين، ورجال دين التصدي لهذا الواقع، وإسقاطه بصورة نهائية، ويمكن لهذه المواجهة أن تأخذ أبعاداً شمولية ترتبط بمختلف المؤسسات التربوية المدرسة، ودور العبادة، ومؤسسات التنشئة الاجتماعية كافة.
وهنا لا بد من التكامل والتظافر بين أدوار هذه المؤسسات كافة وعلى رأسها الأسرة والمدرسة في تفاعل ودينامية تعزز كل منهما دور الأخرى في بناء المواطن وفق الأهداف التربوية المنشودة.
دينامية العلاقة بين الأسرة والمدرسة في تحقيق أهداف التربية المدنية
لا شك بأن التربية فعل لا يقتصر على المؤسسات المدرسية، بل يتعداها إلى مؤسسات المجتمع الأخرى، الأسرة، وسائل الإعلام، والمؤسسات، والمنظمات الاجتماعية والثقافية المتنوعة. كما أننا نؤمن بأن التربية ليست منظومة مستقلة عن منظومات الحياة الاجتماعية المتعددة، بل هي نظام فرعي يتبادل التأثر والتأثير بالمنظومات الاجتماعية المختلفة، ولكن هذه النظرة الشمولية للتربية لا تلغي الدور الرئيس للتربية في ريادة الحراك الاجتماعي نحو التطوير كعنصر فاعل ومبادر في تطوير جوانب الحياة كافة. وبطبيعة الحال في طرحنا للتربية المدنية لا ندعو لتعاليم مدرسية تقليدية تلقن وتنسى، وإنما هي منهج متكامل تتشارك في تحقيقه وتنفيذه مؤسسات المجتمع كافة، ويناط بالأسرة الدور الأساسي في غرس منظومة قيم التربية المدنية بأفعال سلوكية إجرائية تتم تنشئة الأطفال عليها من سن مبكرة، وتعزز المدرسة هذه القيم. إن التواصل والتنسيق بين الأسرة والمدرسة أصبح ضرورة ملحة لتحقيق الأهداف التربوية بشكلها الصحيح والفاعل، حيث يمكن للمدرسة أن تسهم في تعزيز هذه القيم من خلال مشاركة طلبة المدارس ببعض الأنشطة الرمزية مثل مساعدة شرطي المرور في يوم المرور والمساهمة مع البلديات في يوم النظافة وكذلك في الأعياد الوطنية والقومية، وتنظيم انتخاب لجان النظافة في الصفوف ولجان التنظيم في المدرسة وأنشطة إجرائية أخرى كل هذه دروس عملية تعزز سلوك التربية المدنية بشكل فعلي وعملي. إن التكامل والتفاعل بين الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى هي من الشروط الضرورية لتحقيق أهداف التربية المدنية وذلك بدينامية تفاعل تتبادل فيه التأثير والتأثير والتأثر في اتساق وتناغم وتكامل.، فالقيم التي تتم تنشئة الأطفال عليها في سن مبكرة، وتعزز المدرسة هذه القيم. أن التواصل والتنسيق بين الأسرة الدور الأساسي في غرس منظومة قيم التربية المدنية بأفعال سلوكية إجرائية تتم تنشئة الأطفال عليها من سن مبكرة، وتعزز المدرسة هذه القيم. إن التواصل والتنسيق بين الأسرة والمدرسة أصبح ضرورة ملحة لتحقيق الأهداف التربوية بشكلها الصحيح والفاعل، حيث يمكن للمدرسة أن تسهم في تعزيز هذه القيم من خلال مشاركة طلبة المدارس ببعض الأنشطة الرمزية مثل مساعدة شرطي المرور في يوم المرور والمساهمة في البلديات في يوم النظافة وكذلك في الأعياد الوطنية والقومية، وتنظيم انتخاب لجان النظافة في الصفوف ولجان التنظيم في المدرسة وأنشطة إجرائية أخرى كل هذه دروس عملية تعزز سلوك التربية المدنية بشكل فعلي وعملي. إن التكامل والتفاعل بين الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى هي من الشروط الضرورية لتحقيق أهداف التربية المدنية وذلك بدينامية تفاعل تتبادل فيه التأثير والتأثر في اتساق وتناغم وتكامل.، فالقيم التي تتم تنشئة الأطفال عليها في سن مبكرة تكون أكثر ثباتاً، وتشكل معيار سلوك الفرد في مستقبل حياته. إن غرس قيم احترام الممتلكات العامة، كما في الحفاظ على الحدائق العامة بالمرتبة ذاتها التي نهتم ونعتني بحديقة المنزل، والاهتمام بنظافة الشارع وكأنه فناء للمنزل، والنظر إلى أثاث المدرسة بمرتبة الأثاث المنزلي، هذه القيم التي قد تبدو رمزية، إلا أنها في الحقيقة تعزز بشكل عملي احترام الممتلكات العامة، والمواطنة الصالحة، والقيم الجمالية، والحضارية، وتشكل قاعدة للتعليم المدرسي اللاحق في هذا المجال كما أنها تغرس مفاهيم الأمانة والإخلاص للوطن بحيث لا يفكر الفرد بالعبث بمقدراته في أي مستوى من المستويات، لاسيما عندما تسهم المدرسة في تعزيز هذه القيم، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع الأخرى بكافة أنواعها، حيث يتشكل عرف اجتماعي يشتمل جملة هذه المبادئ والقيم يضاف إلى نسق الأعراف الاجتماعية التي يصعب خرقها، لأن العقوبة الاجتماعية مباشرة، كما أن التعزيز الاجتماعي للسلوك المتفق مع تقاليده مباشر أيضاً وبذلك يكون أكثر فاعلية في تقويم سلوك الأفراد وتصحيحه. والأهم من ذلك عندما ننجح في تكوين الضمير الاجتماعي والرقابة الذاتية لدى الفرد، في الوصول إلى مرحلة تمثل هذه القيم من قبل الفرد وشعوره بالمسؤولية عنها، وهذا لا يتم بجهد مؤسسة اجتماعية أو تربوية واحدة بل بتظافر كافة المؤسسات ذات الصلة، وفق أهداف محددة وواضحة، ووفق توزيع منظم للأدوار والخطوات والمراحل والإجراءات التي تكرس هذه القيم، وعلى رأس هذه المؤسسات تقف الأسرة والمدرسة ولاسيما أن العلاقات والسلوكات التي تدور داخل الأسرة وداخل جدران المدرسة من سيادة لقيم الحوار، والديمقراطية، والنظافة، والحفاظ على البيئة، والقيم الوطنية، ومجموعة المفاهيم المرتبطة بالتربية المدنية تشكل أول الدروس وأهمها في التربية المدنية وتغدو أكثر فاعلية إذا أدركت المدرسة الفروق في الثقافات المرجعية لمرتاديها من الأطفال، وتباين المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للأطفال([59]) وذلك بأن تسهم بفاعلية في عملية التعويض عن النقص في الدور الأسري فيما يخص هذه الجوانب لدى بعض الأطفال، وكذلك في التواصل مع هذه الأسر من خلال النظرة إلى المدرسة على أنها مركز إشعاع حضاري في البيئة المحلية ولا يقتصر دورها على العمل التربوي داخل المدرسة.
التربية المدنية في إطار المدرسة:
المدرسة هي الأداة والآلة والمكان الذي بواسطته ينتقل الفرد من حياة التمركز حول الذات إلى حياة التمركز حول الجماعة، أنها الوسيلة التي يصبح من خلالها الفرد الإنسان إنساناً اجتماعياً، وعضواً عاملاً وفعالاً في المجتمع([60]).
تشكل المدرسة المؤسسة الثانية بعد الأسرة التي تتولى مسؤولية تأهيل الطفل اجتماعياً إلى جانب تأهيله علمياً، وقد أوجد المجتمع هذه المؤسسة لأن الأسرة بمفردها غير قادرة على حمل عبء التأهيل الاجتماعي والعلمي بعد أن يبلغ الطفل سنّاً معينة، إذ لا تملك المؤهلات اللازمة للقيام بهذه المهام ومن وظائفها:
1. تنمية شخصية الطفل في جميع جوانبها.
2. نقل التراث الثقافي تدريجياً بما يتناسب مع نمو الطفل.
3. الاحتفاظ بالتراث الثقافي والعمل على تسجيل كل جديد وإضافته إليه.
4. تبسيط التراث الثقافي، فالثقافة المكونة عبر العصور معقدة ومتشابكة، وهنا يتمثل دور المدرسة في تبسيط هذا التراث وتلك المعرفة.
5. تطهير التراث الثقافي من الخرافات والأباطيل والعادات والتقاليد الفاسدة.
6. إتاحة الفرصة للأفراد للاتصال بالبيئة الأكبر "المجتمع".
7. العمل على توفير بيئة اجتماعية للفرد أكثر ثباتاً واتزاناً من بيئته الخارجية باعتبار أن المدرسة مجتمع محدد محكوم بسياسة محددة ضمن أنظمة وقوانين من الضبط والمواعيد الدقيقة مما يؤثر في تكوين وتنشئة شخصية الطفل([61]).
ويشير علي وطفة إلى الوظيفة الاقتصادية حيث يرى أن المدارس المهنية تقوم بتأهيل اليد العاملة لاستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة وبالتالي تلعب دوراً في زيادة الدخل القومي، وتحقيق النمو الاقتصادي والوظيفة السياسية المتمثلة في التأكيد على الوحدة القومية للمجتمع وضمان الوحدة السياسية وتكريس الأيدلوجية السائدة، والمحافظة على بيئة المجتمع الطبقية. وتحقيق الوحدة الثقافية والفكرية([62]). وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الوظيفة الاقتصادية ليست مرتبطة بالمدارس المهنية لوحدها، حيث أثبت علم اقتصاديات التعليم بأن عملية التربية هي أهم الاستثمارات الاقتصادية وأن الريع الاقتصادي لجميع الأنشطة الاقتصادية في كافة قطاعات الحياة يعود بجزء كبير منه كعائد من عائدات التربية غير المباشرة وبالعودة إلى هذه الوظائف المتعددة والتي تزيد بتطور المجتمع وتعقده لا يمكن أن تؤديها الأسرة بإمكاناتها المحدودة، ويقول ربول أوليفيه (R.Oliviah) في كتابه فلسفة التربية "إذا كانت الأسرة الحديثة تضطلع بالوظيفة الأولى في التربية أي تنشئة المشاعر، فهي تضطلع أيضاً بالوظائف الأخرى إجمالاً، وهي تلقن، وتنشئ، وتعلم، بيد إنها سرعان ما ترى نفسها غير كافية لتلك المهام التي تؤلف التعليم والتي تأخذها على عاتقها مؤسسات خاصة"([63]).
ويجد بعض الباحثين أن رسالة المدرسة الأساسية هي غرس الصفات الإيجابية في الشخصية هذه الصفات التي تتضمن مقدمات الصحة النفسية([64]) والتي تعد بدورها أهم مقومات الشخصية المتوازنة. كما يفصل بعضهم في وظيفتها الحافزة على الابتكار والخلق إذ ينبغي على المدرسة أن تنمي ما يسمى بالطبيعة الثالثة للفرد وهي التي تعبر عن نفسها في نمو ذكاء الفرد ونمو سلوكه على نحو يجعله فريداً في ذاته مبدعاً خلاقاً في ثقافته وبيئته، وقد تعد هذه الوظيفة أعلى وظائف التربية المدرسية مرتبة وخاصة في المجتمعات التي تعيش تغيرات سريعة جذرية تحتاج من الأفراد خلقاً وإبداعاً وابتكاراً وتجديداً في أساليب حياتهم وفي القيم الجديدة وتحقيقها في علاقاتهم وأنظمتهم([65]). فالمدرسة هي حلقة مكملة للأسرة تتولى الطفل عادة بعد الخامسة من عمره وعلى مدى عشر سنوات على الأقل، أي في مرحلة من العمر يكون فيها الطفل في أقصى حالات التأهب النفساني للتعلم والتقليد والتطبع والائتلاف مع القيم التي يصادفها في مرحلة نموه هذه.
إن التعليم يمكنه أن يلعب دوراً كبيراً في تصحيح الخلل الذي يعانيه نسق القيم الراهن، ولاسيما القيم الإنسانية، ويستطيع أن يعمل على إرساء قيم تنموية ـ واتجاهات مجتمعية، تساعد المنطقة على مواجهة التحدي الذي أفرزته سيادة قيم العمل والإنتاج وتراجع قيم التسامح والسلام وحقوق الإنسان([66]) وذلك بما تنقله المدرسة للناشئة من مفاهيم تربوية وأخلاقية واجتماعية وعلوم أساسية مؤهلة لتحصيل أوسع وأدق في المراحل اللاحقة لمرحلة التأسيس العلمي، وعملية النقل هذه لا تتم بأساليب موحدة بل تختلف باختلاف مفاهيم المعلم ونظرته إليها وإدراكه لدورها في التأهيل التربوي كما تختلف باختلاف شخصية كل معلم لما لهذه الشخصية من أثر في الأسلوب التعليمي، وفي نفسية التلاميذ، فالمعلم يشكل في نظر التلاميذ نموذجاً سلوكياً معيناً غالباً ما يسعى التلاميذ للاقتداء به. وتأسيساً على ذلك ومن أجل تطوير تجاربنا التربوية لا بد من الإشارة إلى الجهود التربوية والسياسية الكبيرة التي بذلتها منظمة اليونسكو لتجسيد مبادئ السلام والتسامح وحقوق الإنسان. وهذه بالطبع من ركائز التربية المدنية. لقد أنشأت منظمة اليونسكو نظاماً من المدارس المتعاونة التي تسعى إلى بناء تجربة تربوية حية في بناء مفاهيم السلام والتسامح بين الأطفال الناشئة، حيث تتضمن هذه المدارس برامج متكاملة من أجل غرس قيم السلام والتسامح بين أجيال المتعلمين والدارسين. ويوجد اليوم أكثر من 1300 مدرسة للسلام في 74 دولة عضو في منظمة اليونسكو([67]). عن تحقيق الديمقراطية في إطار الحياة الاجتماعية، مرهون إلى حد كبير بتحقيق التربية الديمقراطية في المؤسسات التربوية، فالنظام الديمقراطي لا يتقرر باللوائح والقوانين وإنما هو بحاجة ماسة إلى نظام تربوي يسانده ويعاضده([68]).
المعلم الديمقراطي:
وهنا تبرز أهمية المعلم الديمقراطي الذي يشجع ويحمي التعبير عن الآراء الحرة والجريئة في جو يوفر الحرية الأكاديمية، في الوقت الذي يطبق فيه القوانين بوضوح وفقاً لمبادئ الحماية المتكافئة، واستحقاق المعالجة لكل فرد على حدة، فالحرية الحقيقية خاضعة لقوانين وضعية لا يجب تجاوزها، وحرية الأفراد تكمن في الخضوع العادل للقوانين والمساواة بين كافة أفراد المجتمع ـ والمقصود هنا المجتمع المدرسي ـ كما يخلق المعلم الديمقراطي جواً يكون فيه الاحترام لكرامة كل فرد, ويؤكد المعلم الديمقراطي على مهام التعليم التي يختبر بها الطلاب من أجل تحمل المسؤولية بالنسبة لإنجازهم للأهداف التربوية وتمثلهم لقيمها.
يأخذ المعلم الديمقراطي على عاتقه مسؤولية تطوير الدروس الممتعة والدروس الاختبارية من أجل الطلاب، ويتابع تثقيف نفسه من خلال برنامج القراءة مدى الحياة، وبوساطة التدريب المستمر، والتخطيط لتعزيز قدرته على تعليم المواطنين. وإن "حسن نية المعلم، والكلمات الحسنة، والتي تقال في مكانها والتشجيع، والتقدير العادل للتحصيل ـ وإن كان صارماً ـ واحترام التلاميذ في التعامل من أي سن كانوا، يشكل ما يسمى بالمناخ السيكولوجي المُرضي في الصف ويهيئ أجواء انفعالية إيجابية تساعد على استيعاب المعارف من قبل التلاميذ على نحو أفضل([69]).
المتقرحات:
أولاً : إن المدرسة مجتمع مصغر مهيئ للمجتمع الأكبر الذي تتوافر فيه جميع عناصر الاتصال البشري والعلاقات الإنسانية والتفاعل بين الفرد والجماعة. فهي عالم قائم بذاته. والتجول في هذا العالم محظور إلا بما هو مسموح به بتدرج مكتسب بالجهد والعطاء. والمدرسة نظام توجد فيه قوى مختلفة ممثلة بالمدير والمعلم والمرشد والناظر والتلميذ وفي هذا الخضم من الحضور والتجاذب والتدافع، تشاد مبادئ التربية المدنية المؤهلة للحياة الاجتماعية فيخطئ من يعتقد أن هذه المبادئ تفرض فرضاً وتقبل دون أن تجد مقاومة ربما كانت لا شعورية، من جانب تلك القوى المتفاعلة في ذهن كل من تصدر عنه أو تنصب عليه. هذه الحقيقة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند إيجاد المرتكز النفساني والنظري والعملي المناسب لتشييد المواطنة الصحيحة لدى التلميذ. إذ غالباً ما تلاحظ نزعات مقاومة للتجديد حتى في مجال التربية.
إن تحقيق كل عمل جديد يتم بانتصارين: انتصار على مراكز المقاومة في النظام القائم، وانتصار في تجسيد العمل الجديد ميدانياً. فكل فكرة جديدة وكل مشروع جديد يلقيان مقاومة عفوية ضمن النظام القائم لأن الإنسان عدو ما يجهل، أو لأن القائمين على النظام يجدون صعوبة في تقبل أفكار جديدة ستخرجهم من رتابة عملهم اليومي إلى أسلوب جديد في العمل. وفي الحالتين يقتضي تحقيق النصر التغلب على تلك المقاومة العفوية، ومن ثم تحقيق الفكرة أو العمل بصورة ميدانية تقنع المترددين بصوابها وبفائدتها، فانتصار كل فكرة جديدة يتأتى من انتصارين: الأول على القوى التي تقاومها والثاني في تحقيقها.
ثانياً : يجب أن تحدد أهداف التربية المدنية للمعلم قبل المتعلم حتى يدرك الأهمية المعطاة لهذه المادة ضمن البرنامج المدرسي. وأن يوجد جسور الاتصال بمؤسسات المجتمع الأخرى لتحقيق هذه الأهداف وفي مقدمة هذه المؤسسات الأسرة.
ثالثاً : التربية المدنية هي مدخل فلسفي جديد لمستقبل التربية العربية، في ظروف غياب فلسفة تربوية عربية واضحة. وقد تكون مخرجاً لأزمة التربية العربية بالنظر للظروف الدولية الجديدة، والتداعيات المصاحبة لها وانعكاساتها على واقع الأمة ومستقبلها.
رابعاً : إن المعلم يقوم بدور قيادي في المدرسة فهو نموذج سلوكي يقتدي به غالباً تلاميذه، كما أنه الأب الروحي لطلابه إن لم يعطهم من قلبه وروحه بقي علمه جافاً ومجرداً من الطابع الشخصي والإنساني، فالتعليم وظيفة اجتماعية إنسانية ويستطيع المعلم من خلال عملية التربية، أن يكسب تلاميذه القيم السياسية المرغوبة من: ديمقراطية، وعدل، وتعاون، وحرية ومسؤولية... الخ، باعتبارها ركائز مهمة لبناء الإنسان الحر، وهنا يترتب على المعلم أن يتيح الفرصة أمام التلاميذ للقيام بدراسة طائفة من المشكلات القائمة فعلاً، وإعطائهم الفرص المتكافئة للتعبير عن آرائهم والدفاع عنها بكل حرية، وإن يعمل على إشراك أولياء الطلبة في هذه الأنشطة.
خامساً : يجب أن يدرك المعلم أن ما يهيئ لتلاميذه ليس فقط ترنماً بحضارة ماضية بل تهيؤ لحضارة معاصرة متطورة، وبالتالي يجب أن يكون لديه من قوة الإبداع ما يجعله يستبق الحاجات والتطورات فيهيئ التلميذ لمواجهتها.
سادساً : إن عملية التعليم في الحياة الاجتماعية عملية تدرب وتمرس ابتداء من حمل المسؤوليات الطفيفة في المدرسة وتدرجاً في سلم المسؤوليات حتى تبلغ درجة مسؤولية المواطن نحو وطنه ومجتمعه ذروتها فيصبح ذلك المواطن نموذجاً للمواطنة الصالحة.
سابعاً : إن التربية المدنية تهدف إلى تنمية وتعزيز العلاقات الإنسانية والاجتماعية وإلى تدريب الإنسان على دوره في الحياة مع أقرانه. وتعزيز قيم التعاون مع مؤسسات المجتمع كافة لتحقيق الخير العام والإسهام في بناء الوطن وتقدم الحضارة وهذا ما يجب أن تتضمنه المناهج وطرق التدريس وكافة الأنشطة التربوية داخل المؤسسات التعليمية وخارجها.
ثامناً : إن التربية المدنية في المدرسة عمل تكميلي للتربية البيتية، لذلك وجب ألا تتعارض مع هذه التربية بل تنسجم معها بالقدر الذي تكون فيه هذه التربية صحيحة وفقاً لسلم قيم مشتركة بين المؤسستين الأسرية والمدرسية.
تاسعاً : إن التربية المدنية في المدرسة تتناول الموضوعات نفسها التي نتناولها في البيت إلا أنها تطورها وتعطيها القاعدة النظرية والعلمية اللازمة لإقامتها بصورة ثابتة ومتينة وتهيئ لها المجال الحيوي لتحقيق مداها الطبيعي بما يوفره الجو المدرسي من معطيات غير متوافرة في البيت.
عاشراً : إن الوقاية من الانحرافات عن طريق التربية المدنية في المدرسة تفترض تقصياً من قبل المعلم لأسباب عدم تكيف تلاميذه مع المتطلبات اليومية في المدرسة ومعالجتها بالطرق المناسبة كي لا تتعاظم فتؤدي لسلوك شاذ وربما منحرف أو مجرم.
حادي عشر: إن برمجة التربية المدنية في المدرسة تتطلب تدرجاً في الاقتراب من الموضوعات بحيث نبدأ بالفرد ومن ثم بالأسرة فالمدرسة فالبيئة والمجتمع مع كافة مؤسساته العامة والخاصة، وصولاً إلى الدور الاجتماعي للإنسان.
ثاني عشر: إن تنمية المواطنة الصحيحة لدى الطالب في المدرسة تفترض توجه التعليم نحو خلق الشعور بالنظام والتنظيم لديه، بحيث يتهيأ ذهنياً ونفسياً للتوافق مع متطلبات الحياة الاجتماعية وذلك بوساطة تعزيز التفاعل التربوي بمختلف اتجاهاته، وخلق البيئة الصفية التربوية المحفزة لهذا التفاعل.
ثالث عشر: إن العلاقة بين الإبداع والحرية وثيقة، فالإبداع عطاء خيال حر، وعقل تتفتح له الآفاق، وإرادة تمتلك الاختيار، ولذلك ينمو الإبداع في رحم الحرية، فالطاقات المبدعة لا تنبت في أجواء الظلم الاجتماعي وغياب الحرية والديمقراطية في حقوق الإنسان، والتربية الحقيقية هي جوهر هذه القيم التي تتعاضد الأسرة والمدرسة لتكريسها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
